الشيخة حصة بنت المر بن حريز أم دبي وسيرة العطاء والوفادة

أعلام الراوي مجلة مدارات ونقوش – العدد 7

 1,944 عدد المشاهدات

الكاتب: جمال بن حويرب

من ضمن النساء الخالدات في تاريخ الإمارات، امرأة لا يزال اسمها يتردد كثيراً بين الناس، ولا يذكرونها إلا بالكرم والعقل الرزين الراجح والحزم الذي لا يطيقه الرجال، هذه هي الشيخة حصة بنت المر بن حريز من فرع المقاعدة من آل بوفلاسة أحد أهم فروع قبيلة بني ياس بن عامر وفيها بيوت الحكم من آل مكتوم حكَّام إمارة دبي، في «مدارات ونقوش» نقرأ بعضاً من سيرة هذه السيدة الكريمة.

إن زودنا التاريخ القديم والحديث للبلاد العربية بأخبار ما لا يحصى من أعلام الرجال، فقد تجاهل للأسف الحديث عن أعلام النساء اللواتي كان لهن دور بارز وعمل قياديٌّ في المجتمع ولم أعرفْ لهذا التجاهل من تفسير سوى تعمد غمط حق المرأة في الظهور لمصلحة الرجال وخاصة في القرون الأخيرة التي كان كثير منها قرون تخلف وهوان وجهل لأسباب عدة ليس هنا مكان الحديث عنها، والمرأة فيما قبل ذلك كانت تشارك في العلم والشورى والتجارة وبلغت حتى السياسة، وهذه أم المؤمنين أم سلمة هند بنت سهيل رضي الله عنها يستشيرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في وقت صلح الحديبية، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة وكتب كتاب الصلح بينه وبينهم وفرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثمَّ احلقوا للتحلل من إحرام العمرة. فلم يقم منهم رجل وصعب الأمر عليهم بعد أن قال ذلك ثلاث مرات. فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحبُّ ذلك، اخرج ثمَّ لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فقام- عليه الصلاة والسلام- فخرج فلم يكلم أحداً منهم كلمة فنحر بدنته ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، ولم يقل رسول الله كما يشيع بعض من لا علم له المثل المشهور: شاوروهن واعصوهن؛ أي استشيروا النساء فما أشرن به فافعلوا عكسه لأنه الصواب، وهذا من الافتراء والتعدي بغير وجه حق.

وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كان يسألها كبار الصحابة في أحكام الشريعة، وتستفتى وتفتي وتشاور وتشير عليهم بما فتح الله عليها، وهناك أمثلة كثيرة لا يسع هذا المقام لحصرها.

الشيخ سعيد بن مكتوم مع بعض من مرافقيه


الهمة العالية
وإذا عدنا إلى التاريخ الحديث فهناك نساء لا يستطيع التاريخ أن يتجاهل وجودهن؛ لأنهن أثبتن أنفسهن بالعقل الراجح والهمة العالية والحكمة التي تفوق كثيراً من حكمة الرجال ومنهن السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسِّس الدولة البوسعيدية في عمان والتي كان له دور في إرساء دعائم الحكم والدفاع عن عمان ومساعدة الناس ولها أفضال كثيرة حتى قيل: إنَّ اسم موزة انتشر بسببها تيمناً بها، وقد عاشت خلال الفترة (1749 – 1832 م) وكانت أيضا وصيةً على السلطان سعيد بن سلطان حتى تولى الحكم، وأخبارها مدونة في التاريخ العماني.
وأضرب لكم مثلاً من الإمارات، امرأة من الخالدات لا يزال اسمها يتردد كثيراً بين الناس، ولا يذكرونها إلا بالكرم والعقل الرزين الراجح والحزم الذي لا يطيقه الرجال.. هذه هي الشيخة حصة بنت المر بن حريز من فرع المقاعدة من آل بوفلاسة أحد أهم فروع قبيلة بني ياس بن عامر، وفيها بيوت الحكم من آل مكتوم حكَّام إمارة دبي.
والدها المر بن حريز من كبار نبلاء قبيلة بني ياس ومن فرسانها المشهورين، وكان مقدراً بين الناس؛ حكامهم وعامتهم، فإذا كان السلم فهو من أهل الرأي والجود والمنزلة الكبيرة، وإذا كانت الحرب فهو من أهل القيادة والقوة والحزم والجسارة، حتى قيل إنَّ المر يساوي لوحده مجموعة من الفرسان، ولا أستبعد هذا فصيت الإنسان وشكله وجسارته تقذف في قلوب الأعداء الرعب، والمر- رحمه الله- كان كذلك، ولا أنسى عمها عبدالله بن حريز- رحمه الله- وهو ذو رأي سديد وحكيم يعرف مداخل الأمور ومخارجها ويستعان به في أحلك الظروف فيجدون عنده الرأي الصواب.
ووالدة حصة السيدة الكريمة شيخة بنت سليمان آل مالك ووالدها شيخ قبيلة الشحوح القبيلة الأزدية الكريمة المعروفة في شمالي الإمارات، وكان والدها في منطقة بخا التي تقع اليوم في سلطنة عمان الشقيقة.


سليلة البيت الكريم
ولدت الشيخة حصة في منطقة الشندغة بدبي عام 1890م تقريباً، ونشأت في هذا البيت الكريم نشأة كريمة؛ فأخذت من والديها كريم الصفات، ولا أستبعد أن تكون تعلَّمت القرآن الكريم وبعضاً من مبادئ الكتابة، حيث كانت «المطوعات» تعلِّم الصغار من أولادٍ وبناتٍ قراءةَ القرآن الكريم، ويتم تحفظيهن شيئاً من قصار السور، وكانت العادة أن لا تطول بهن الدراسة أكثر من ذلك؛ فأغلبهن يتزوجن وهن في تلك الفترة، ويقمن بمساعدة أمهاتهن في شؤون البيت، لا كما نراه اليوم حيث تتكافأ الدراسة بين الطلبة والطالبات بل أعدادهن تزيد على الطلبة.
في سنة 1906م، في أواخر حكم الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم حاكم دبي، أو بداية حكم الشيخ بطي بن سهيل، تزوج الشيخ سعيد بن مكتوم الشيخة حصة بنت المر، وكانا صغيرين؛ فالشيخ سعيد كان عمره 18سنة وهي أصغر منه وقال العقيلي في هذه المناسبة قوله:

هنّيت ببلوغ المنى والمطاليب
يا نجل شيخٍ للثنا الجزل كسّاب
هنّيت يا ابن الأكرمين الأطاييب
أعلا نسب ياسٍ إذا عدّ الانساب
هنّيت يا راعي الهلا والتراحيب
يا اللى نشا ابحبوبة العز وآداب
هنيت ياللى هذبته التجاريب
بوصال خلٍّ من هل الجود انجاب
الفوز لك وافاك سيد الرعابيب
الأغيد المحفوظ عن كل ما عاب
ريمٍ نشا دونه أسودٍ عواطيب
ياسيةٍ ما حدٍ ينبشْ لها أسباب
فزنا وكل الناس حتى الأجانيب
وافا السعد به للملا والنحس غاب
والله يبارك في اجتماعٍ على طيب
ويسر اهله في المبادي والأعقاب
ويولف الزوجين إلفة تحابيب
ويجيرهم من حادث الدهر إن ناب

نعم، استجاب الله دعاء الشاعر والناس وألَّف الله بين الزوجين الكريمين وصارت الشيخة حصة نعم المعين والصديق والمستشار والزوجة الصالحة لزوجها الشيخ سعيد، وما أسعدها به وما أسعده بها؛ فقد كانا مثالاً على ألسنة الناس للجود والدين والكرم.

فالشيخ سعيد بن مكتوم من الحكَّام الذين سطَّروا أسماءهم في سجل الحكَّام العادلين الصالحين، فهو الشيخ الكريم ابن الكريم صاحب الفضل المعروف، والتقى المشهور الذي جعل من حكمه سبيلاً إلى الآخرة، وجعل من نفسه والداً للجميع، لا يضام من هو في كنفه، ولا يرد السائلين وإن كثروا، يعطي وينفق حتى يقال إنه من كثرة إنفاقه لا يبقي لنفسه شيئاً ممَّا جعله علامة مضيئة في تاريخ الإمارات.
ولد في دبي سنة 1888م ونشأ كما ينشأ آل مكتوم على الأخلاق الطيبة والسمت الحسن والكرم والشجاعة، وعرف من صغره بالتقى والورع حتى صار مضرب المثل فيه كما قال العقيلي:

هنيت يا اللى ما رمي بالعذاريب
من صغرته والنفس ما صابها إعجاب
هنيت ياللى قايمٍ بالمواجيب
للجار الأدنى والأقارب والأصحاب

وفي سنة 1894م تولى والده الشيخ مكتوم بن حشر الحكم بعد وفاة الشيخ راشد بن مكتوم وبقي حاكماً حتى سنة 1906م عرف خلالها بالعدل وحب الخير وحسن السيرة بين الناس وكان يقرب العلماء والأدباء، وكان ذا شجاعة ومهابة، ومنه ورث الشيخ سعيد هذه الصفات، وكان من الطبيعي أن يخلف أباه في حكم دبي ولكنه في ذلك الوقت لم يزل صغيراً.
ولهذا اختار آل مكتوم والشعب الشيخ بطي بن سهيل ابن عم الشيخ مكتوم، أن يخلفه على إمارة دبي وامتدَّ حكمه حتى سنة 1912م، وتولى الحكم من بعده الشيخ سعيد بن مكتوم الذي قام بأعباء هذه المسؤولية العظيمة خير قيام، وقد شهد الناس جميعاً على أنَّ هذا الرجل كان أحد القادة العظام الصالحين.
نهج الشيخ سعيد في حكمه نهج العدالة، وأشاع التسامح والخير بين الناس وأحبه القاصي والداني، وتواترت عنه قصص الكرم والطيب والدين، وقد بلغ فيها مبلغاً لا أعرف حاكماً بلغه في زمنه.
كان، رحمه الله، لا يعرف أن يردَّ سائلاً ولا يقول «لا» لطالب حاجة، بل يعطي عطاء الواثق  الذي يؤمن بأنَّ الله سيعوضه مع قلة الأموال وشح مصادر الدخل آنذاك.
يُذكر أنَّ سائلاً جاءه في حاجة له فقال : «عد إلينا في وقت آخر». فقال رجل كان في مجلسه لماذا لا ترده عنك، فقال له الشيخ سعيد: «اليوم لا أستطيع تلبية حاجته، وعسى الله أن يعينني على قضاء حاجته عندما يعود لي».

فهو كما قال الشاعر:

هو البحْرُ من أيِّ النواحي أتيتهُ
فلجته المعروفُ والجودُ سا حلهْ
تعوّد بسْط الكفِّ حتى لو أنهُ
أرادَ انقابضاً لم تطعه أناملهْ


سيرة عطرة
نتابع ما بدأنا من سيرة الشيخة حصة بنت المر وزوجها الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، رحمهما الله، ولا نستطيع في هذه العجالة أن نوفي جزءاً قليلاً من تاريخهما وأعمالهما، ولكني أضرب مثلاً للناس، لكي يعرفوا أنَّ لهم ماضياً جميلاً على رغم صعوبته وتفشي الفقر والأمراض، ولكن الله يبعث للناس من قادتهم مَن يعينهم على حياتهم ويخفف عنهم.
وعن الشيخ سعيد وعن ورعه وتقواه فحدِّث ولا حرج؛ فسيرته عطرة مشهورة وكان الناس يروونها ويتناقلونها فيما بينهم ويتسامرون بها، وكذلك زوجته الشيخة حصة من كثرة إنفاقها وكرمها مع قلة ما في اليد في ذلك الوقت العصيب، ومما تواتر من قصص الشيخ سعيد أنه قدم رجل من سفره في ساعة متأخرة من الليل، فلم يرد أن يوقظ أهله فأحبَّ أن يبقى في المسجد حتى الصباح ثمَّ يقدم على أهله مبكراً، فلما اقترب وقت آذان الفجر سمع صوت الماء يسكب في حوض المسجد فقام ليتوضأ، فلما اقترب من الحوض وجد الشيخ سعيد يسكب الماء بنفسه فقال له الرجل: أنت حاكم البلاد وأرواحنا فداؤك فدعني أنا أقوم بهذا العمل عنك. فابتسم الشيخ وقال: «هل تريد أن تحرمني من الأجر».
ومن قصص حلمه الكثيرة أن رجلاً أساء في أمر يخص الشيخ سعيد، فكظم غيظه ولم يعاقبه على إساءته، فبقي الرجل متململاً خائفاً لا يدري ما يصنع، يقول: لو عاقبني الشيخ أفضل لي من هذه الحالة التي أنا فيها، فما كان منه الا أن قدم الى مجلس الشيخ سعيد، وقال:

باتوب توبهْ ما وراها هنّهْ
لسعيدْ كانه ذنبيهْ ممحنهْ
وابليسْ يا كمْ واحدٍ مغونّهْ
قبلي غوى آدم وأظهره من الجنّهْ

فقال له الشيخ سعيد: «هوّن عليك، فإني نسيت ما صنعت يريد أن يخفِّف عليه لما رأى شدة الأمر عليه».
وقد مرت في عهده كثير من الأحداث العصيبة التي قام بإدارتها واحتوائها بحلمه وعدله وحزمه، وكان من أشدها سقوط سوق اللؤلؤ الطبيعي مصدر قوت جميع أهل الساحل، وكانوا يعانون في طلبه والغوص عليه الأمرّين، حيث يقضون الأشهر في البحر حتى يعودوا إلى دورهم بدراهمَ «روبيات» معدوداتٍ ولكنها كانت تكفيهم؛ لأنَّ القناعة كانت صفة من صفاتهم، ولكنهم بكساد سوق اللؤلؤ كسدت الأسواق وفقد الناس مصدر رزقهم الأول، هنالك وقف الشيخ الكريم جنباً إلى جنب مع شعبه وشاركهم آلامهم، وأعانهم بكل ما يستطيعه حتى تخطى الناس تلك الفترة العصيبة من حياتهم.
ومن العجيب أنه مع تدهور سوق اللؤلؤ وتراجع اقتصاد الخليج بأكمله، لكنّ تعداد سكان دبي زاد ثلاثة أضعاف وما ذلك إلا بسبب حكمته البالغة وسياسته السديدة رحمه الله تعالى.
وكان من كمال حنكته أنه لما رأى ابنه الشيخ راشد قد ملك أهلية القائد، وقد رباه وهيَّأه أحسن تهيئة، والابن سرُّ أبيه كما يقال، وكان الشيخ سعيد يعاني من ضعف بسبب المرض فقام الشيخ بإسناد كثير من مهمات الحكم إليه ناصحاً له وموجهاً، حتى بلغ الشيخ راشد القمة في إدارة البلاد في حياة أبيه.

الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم في رحلة قنص في بر دبي


مصباح الديرة
وكانت زوجته الشيخة حصة بنت المر معه في كل ذلك، تقف إلى جانبه وتساعد المحتاجين وطلبة العلم والأرامل وأبناء السبيل، وفي نفس الوقت تسهر على تربية أبنائها الشيخ راشد بن سعيد الذي ولد سنة 1912 تقريباً، وشقيقه الشيخ خليفة بن سعيد الذي يصغره بسنوات قليلة، وكذلك بناتها التي أحسنت تربيتهن وكانت نعم الأم المربية المعلمة.

يقول فيها الشاعر خلفان بن يدعوه المهيري رحمه الله في قصيدة طويلة:

يحمون بالفولند خودٍ عفيفه
من الحور وهيه من ربايب خدورها
ما شفت أنا إلا عن خصايل فعالها
حسن يدليني على حسن طورها
حورية ما خلج في الغيد مثلها
يا مشمع الديره ومصباح نورها
لك الجود والماجود والأمر كله
يا كعبة الوفاد لى من يزورها

ثم يتخلص لمدح والدها الفارس المر بن حريز فيقول:

يا بنت من يذري ويلجي ويلتقي
صدور الأعادي لى تلاقت صقورها
وين الهناوي يوم “حرمول” جندله
ودعاه في البيدا فريسة نسورها
تولا بلاده في قدر نص ساعه
فتحها وطيّر في حصنها نشورها
هذي فعايل بوك في حزة اللقا
يشهد لفعله بدوها مع حظورها

يشير الشاعر هنا إلى معركة حرمول بسلطنة عمان، وكان قد حصل تمرد فيها في أواخر القرن التاسع عشر، واتجهت قوات بني ياس من دبي مباشرة إلى هذه المنطقة، حيث بنو ياس وسلاطين عمان حلف واحد منذ قرون، وقد أبلى المر بن حريز في هذه المعركة بلاءً حسناً وكان بسببه النصر، وكم من قصص ومواقف له! وهذا ما يعنيه الشاعر ثم قال:

وانتي سلكتي بالسخا سلك منهجه
        الله يجيرك عن حواسد شرورها
والله يبارك في خليفه وراشد
        هم زهوة المحيا وللدار سورها

في سنة 1929م حصلت بعض الظروف الصعبة، وكان الشيخ سعيد كثير الورع كما أسلفت ولا يحب إلا تطييب النفوس، ولا يؤذي أحداً؛ لا بكلمةٍ ولا بفعلٍ؛ فتدخلت الشيخة حصة بكل ما أوتيت من حكمة ورأي سديد وأصلحت الأمور وأشارت على زوجها بالأفضل والأصلح للإمارة، وقد تكرر منها هذا الأمر فأفضالها على هذه الإمارة وشعبها أكثر من أن نحصيه.
ومن قصصها في مساعدة الناس؛ أنه جاء رجل من المناطق الشمالية من الإمارات وكان يعمل في البحر مع مجموعة من الرجال، وفي ذلك الوقت لم يكن لديهم كثير من الزاد، فكان يأتي إلى الشندغة ويجول مع أهل العيالة، ثم يأخذ الأكل له ولأصحابه الغرباء عن المنطقة، فنهره أحد الذين يشرفون على وضع الطعام؛ فوصل إلى سمعها وكانت البيوت متقاربة، وقالت بعد أن رحبت به: مَن أنت؟ فقال: أنا فلان وأعمل في البحر وآخذ الطعام لأصحابي فقالت: خذ ما تشاء لك ولأصحابك في أي وقت، يقول الرجل: فبقيت أذهب وأرجع وآخذ الزاد لأصحابي، وقلت هذه البلدة التي يجب أن أعيش فيها تحت ظل هؤلاء الشيوخ الكرام وانتقل إلى دبي.
وأخبرني السفير الشيخ أحمد بن علي آل مبارك، رحمه الله، أنه في أول طلبه للعلم وهو صغير رحل ليتعلَّم في الأزهر، فقدم إلى دبي ثمَّ استأذن للسلام على الشيخة حصة فدخل عليها وسلم فرحبت به وأكرمته وسألته عن أهله آل المبارك، لأنها تعرفهم وأعطته ما يعينه على السفر وقال: رحمها الله شعرت من حفاوتها بي بأني واحد من أبنائها.

وكانت تحتفي بالعلماء وتقدرهم وترسل لهم المعونات من غير طلب، وهذا الشيخ محمد نور بن سيف يكثر من وصفها ومدحها بمحاسن الأخلاق، وأنها كانت معين العلماء وطلبة العلم كما سيأتي من قصيدته العصماء في رثائها.
ولها مع الشعراء وإكرامها لهم قصص كثيرة، وقد قالوا فيها كثيراً من الشعر ضاع أكثره بسبب قلة التدوين، ومن ذلك قول الشاعر علي بن مشوط المري بعد عودة الشيخة حصة من منطقة خصب في عمان، وقد مرت للسلام على خالتها أم الشيخ مجرن بن سلطان المري المتوفى سنة 1945م فقال محيياً لها:

يا حي من يانا في لبلاد
ذرب المعاني زين لعيون
سيد النسا لى بالحسن زاد
لى فايقٍ عن كل مزيون
شوفه شفا عن كل الايهاد
بويادلٍ ما بين لمتون

فزجره بعضهم وقال له أين رأيتها؟ فقال:

حاشا ولا عندي به حياد
اسمع كلام اللى يقولون
بنت الشجاع ونسل الافهاد
والمر يطرا حزة الكون

ومن ذلك أيضاً الرسالة التي أرسلها العقيلي للسيد تيمور بن فيصل يقول فيها واصفاً الشيخة حصة ونجلها الشيخ راشد:

وقد علمت ما قاله المتنبي في أم سيف الدولة:

ولو أن النساء كمن فقدنا

لفضلت النساء على الرجالِ

حي الشندغة القديم

وأتمنى أنه بقي حيّاً إلى اليوم؛ ليرى أنَّ في دبي من ذوات الحجال وربات الكمال من تباري بفضلها وشرفها كمّل الرجال، إن وهبت أغنت، وإن وجدت أفنت، وشرفها كامل وجاهها طائل وأنا القائل:

أيا ابنة الرجل المحذور سطوته
وأم خير فتى في باعه طولُ
لم يهوَ غير المعالي منذ نشأته
وكل هاوٍ بما يهواه مشغول
لم يثنه عن لقاها قول ذي خور
ولم يخوّنه إرجاف وتهويل
بيض مناقبه صفر مواهبه
حمر قواضبه ما قال مفعول
يا حصة فاق كل الحص جوهرها
يتيمة العقد والباقي تنابيل
إن كنت للمجد قد أنجبت أوسمة
فأنت للمجد فوق الهام إكليل

وقد كان يوم وفاتها في سنة 1946 يوماً حزينا على كل أهل دبي؛ فقد فقدوا والدتهم الحنونة وكان الشيخ سعيد في قمة حزنه عليها، وأبناؤها خاصة الشيخ راشد الذي كان قد ناب عن أبيه في حكم دبي بسبب المرض؛ فكانت الشيخة حصة توجهه وتعينه وترشده لما ينفعه وينفع شعبه، وقد قال الشيخ محمد نور سيف قصيدة من روائع أشعاره وطلب من الأستاذ أحمد بن حافظ أن ينشدها في آخر أيام العزاء في بيت الشيخ سعيد بالشندغة، وهذا جزء منها لأنها طويلة:

وهذا مصاب في الحقيقة شاملٌ
فمعروفها المعروف قد عمّنا طرا
فإن تك قد أودت فإنَّ فعالها
وإحسانها في الخلق أحيا لها ذكرا
لقد كنت غوثاً للعفاة ونعمة
          فكم مننٍ أوليتها دائماً تترى
لقد كنت للأرحام أكرم واصلٍ
          فكم قد حووا منك الأيادي والخفرا
وكنت لأهل العلم أفضل مكرم
          فكم أحرزوا من فيض أفضالك الغمرا
لقد كنت للأيتام كهفاً وموئلا
           توالينهم عطفا وتولينهم برا
لقد كنت للملهوف عونا وملجأ
           وكم بائس قد نال من رفدك الخيرا
لقد كنت للعاني ملاذاً ومعقلا
          وكم معدم قد حاز من جودك اليسرا
لقد كنت في فعل الجميل فريدة
             وكم بردّت نعماك من كبدٍ حرا
لقد كنت في رحمى المساكين آية
             وكم من فقيرٍ قد جبرتِ له كسرا
وكنت لأبناء السبيل مثابة
             وللضعفا قد كنت مرحمة كبرى
أياديك نحو الشرق والغرب يممّت
            وفي الحرمين الآمنين غدت تُدرى

هذه شهادة من عالم كبير وصالح ورع ولم يجاوز في رثائها قدرها، بل كانت الشيخة حصة بنت المر هكذا وأكثر، رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.