العلاقات السعودية والإماراتية ضاربة الجذورفي التاريخ

Business مجلة مدارات ونقوش – العدد 12

 651 عدد المشاهدات

الكاتب:سعد بن عبد الله الحافي – رئيس تحرير مجلة الحرس الوطني السعودية

 

ترتبط المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بعلاقات متميزة، حيث تجمعهما روابط الدم والمصير الواحد والإرث الثقافي والعادات والتقاليد المشتركة، والتي تضرب بجذورها في عمق التاريخ والجغرافيا، وبين يدينا نص شعري للشاعر الإماراتي محين الشامسي يؤكد هذه العلاقة منذ عهد الدولتين السعوديتين الأولى والثانية.

 

قصر ابراهيم بن سعود في الدرعية التاريخية
قصر ابراهيم بن سعود في الدرعية التاريخية

 

النص:

طرق العلا لا تستخف بـشانها

اعرف قبل تدبيرها ميشانها(1)

انظر بعين القلب فيها قبل ما

 تنظر بعين الرأس في ميشانها

إن القلوب إذا عمين عـن الهدى

ما تهتدي لطرق الرشاد أعيانها

وان أبصرت عـين الفؤاد مـن العمى

شافت ووافق شـوفها لـعيانها

ومـن لا يدبر في الأمور بـفـطنه

ويقايـس القـالات قبل إتيانها

تـدابرت عـنه الأمـور وفـتـحـت

عـليـه أبـواب البـلاء بـيبــانـهـا

يـا سـامعٍ فالـشـعر بـعـضه حكـمة

تـفـهـم لـه العـقال مـع فـطـانـها

إن كـنـت ذا مـالٍ وصـاحـب ثـروة

وتـخـشـى على نـعمتك مـن دبرانها

فـأد واجـبـها وأظـهـر شـكـرهـا

وحـدّث بـها واعـرف ترى نقـصانها

فـعـل المـعاصـي والربـا ثـم الـزنا

ومنـع الـزكـاه إلـى حضـر ميحانها

وان كـنـت ذا مـالٍ وصـاحـب دولة

وتخـشـى عـلى منصبك من عدوانـها

اعدل بمـلكـك والـشـريعة قـم بها

وانصف ضعيف الناس من شرفانها

فالله ما غيّر بعبدٍ نعمه

حتى تغيّرها القلوب ابرانها(2)

وإذا تـكـاثر الـفـساد بـديره

وألفيت أهلها فـاشـيِ عصـيـانها

ارحل فـأرض الله واسـعـة الـفـضا

ولا تـهـمك أهـلـها وجـدرانـهـا

فـلا فـساد الـدار مـن عـتـق البـنا

إلا فـسـاد الـدار مـن سـكـانـهـا

أقول ذا وأنـا بـعـيـنٍ شــايـف

دنـيـا تـشـيـب بمـرهـا ولـدانـها

هـلها غـدت نـجـواتـهـم نيـاتـهم

ومـن أنسها قـامـت تعوذ جـانها

شـف كيـف بـاروا بالمتـوج فـيـصل

وجـازوه بالـسيَّـات عـن إحسانها

أعـطى مـصقلـة السيوف وغـيرها

مـن النـضـا والـخـيل مـع تفـقانها

وقـاموا يـهوشـونه ببـعض سـلاحه

حـرارهـا والـجـم مـن عبـدانـهـا

عساه يأخذ له بهذي عبره

ويميز الوافين من سرقانها

ويعرف من يرخص بعمره عنده

يوم الحقب في الحرب لز إبطانها

يـا ليـت مـيـزان الـرجـال شـريعه

وكـل العـرب تـعـطى عـلى ميزانها

دع ذا ويـا غـادي عـلى عـمـليـه

تـطـوي بـعيـدات القـفار أقـرانـها

حـرفٍ(3) مـذكـرةٍ أبـوهـا خـالــها

وظـبـيان والجماح مـن عـمـانـهـا

تـروح كـالخـاطـوف أن جـذيـتها

وإن جـذتـك شـفت الزرم بإيمانها

مـا فـوقـها كـود الزهـاب وراكـب

حـرٍ أمـيـنٍ مـن خـيـار أذهانها

أقـول لـه لـما عـلا فـي كـورهـا

وفـكك حبـال العـقـل مـن ذرعـانها

أوقـف قـدر سـاعه بـكتـب أسجله

فـيـها السـلام ومـدح فيـصل زانها

واليا عـرض لـي مـن مـرامي نـيه

بـاريت لـك مـن فـوق كور اهـجانها

عـسى عـقب يـومـين تـلفى شيخنـا

فـي حـسن حـال وبـاديٍ جـذلانـها

وجـدي عـلى ذاك الشـجاع وشوفـه

وتـقبـيل يمـناً فـي الجـدا صـفطانها

عـسـاه ينـظرني بـعـين مـروفـه

ويـذكر لـقـدري يـوم أنـا بـعـمانها

يـوم العــقـول الثـابـتات تـراجـع

وطـارت مـن حـلوق الـرجال اذهانها

يـوم السـلالم فـي الجـدار اتعـلـقت

تـرقـى بـها الـوافين مـن جـذعانها

يـوم المـتاقي والمـواقي ربـنـا

بيـعـت عـمارٍ والـرصـاص أثمانها

بـذلت عـمري والحـلال اسـخيـت به               

حـتى طـفى الله بالسـكون أفـتـانـها

شـيخ يـرى عـدل الـرعيـه واجـب

وفـي الحـق عـنده واحـدٍ مـيزانـها

كـل العـباد إذا كـشـفت إغـطـاهـا

ألفيتها تـدعي عـلـى سـلـطانها

مـا غيـر فـيصـل بوسعـود وقومه

من حـضـر دنـيانا ومـن بـدوانها

تـدعي لـه الله بالثـبـات أوهـو لها

يـدعـي بـأن الله يـصـلـح شـانـها

شـيـخٍ لـديـن الله أصـبـح نـاصـر

وعـليه كـسر فـي الحـروب اخـزانها

شيـخٍ جـزيـل المـال يرخـص عنـده

فـي المـوجبـات إلى تعـاظـم شـانها

حـاتـم زمـانه فـي المـروه والعـطا

وعنـتـر لـحـل المـلزمـات اعـنانها

سـمـح المـحـيا بـاسـمٍ مـتواضـع

تـبـّاع مـن جـل الأمـور اسـمـانها

لا فـاحــشٍ طبـعـه ولا مـتـكبـر

ولا بـجـزلات الـعـطـا مـنـانـهـا

حـرٍ فـرايـسـه الأسـود إلـى عـدا

قـامـت تـخـاصر جـيـفة عقـبـانها

وللجـار مـن جـساس اكـبـر غـيره

لـي بـارت الـخـيـاب فـي جـيرانها

الله عـسـى مـن بـار فيـه يـعاقـب

عـقـوبـةٍ تـلـحـق علـيه أمـحانها

ولله در الــنـايـبـات لـكـنـــــهـا

تـبدي صـديق النـفس مـن عـدوانها

وخلاف ذا يامن عطاياه النضا

والخيل والمضبوط من شيلانها

لك اشتكي جفواي عندك يا فتى

والنفس شرهتها على خلانها

تركتني يا أبو مساعد في الحسا

كسير رجلٍ كايدٍ جبرانها

ع الله رخصت في جهاد عدوه

وأرجي عسى ان الأجر في كسرانها

واليوم في بطن البلاد انسيتني

امشي على ما متن من عصيانها

وشرواك ما ينسى الرفيق إلى هفا

ويسمع جواب الناس في صدقانها

وإذا بليت من الزمان بنكبه

اجعل صديقك مطرق لميدانها

اما لقيته لك صديقٍ ناصح                                

وإلا تبين صحبته وش خانها

ربعي هل العوجا فهم لك خزنه

ونفسٍ تعين الحق الله عانها

وخلاف ذا اسلم ودم في نعمه

محروسةٍ بالله عن نقصانها

وعن نفع مثلي لا يطف نظيرك

ما ينفع المظيوم كود اخوانها

وان كان في خاطرك شيءٍ سامح

سامحك في يوم الملا ديَّانَها

أعزك الله في الحياة بنصره

وفي الآخرة تجزا نعيم أجنانها

ثم الصلاة على النبي محمد

الهاشمي المختار من عدنانها

 

الشاعر:

هو علي بن محمد بن محين الشامسي وشهرته (محين الشامسي) من أهل بلدة الحيرة التابعة لإمارة الشارقة، ولد في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، واختلفت المصادر في تاريخ وفاته؛ فذهب حمد أبوشهاب إلى أنه توفي نحو عام 1247هـ، وتذكر مصادر أخرى أنه توفي عام 1260هـ، ولكن بالنظر في هذه القصيدة فالأرجح عندي 1260هـ، وفقاً لما يلي:

أن الإمام فيصل بن تركي، ممدوح الشاعر، تولى سدة الحكم عام 1250هـ، أي بعد التاريخ الذي حدده أبوشهاب. وأن الشاعر في قصيدته يشير إلى قصيدة الإمام فيصل بن تركي التي مطلعها:

الحمد لله جت على حسن الاوفاق

وتبدلت حال العسر بالتياسير

والإمام فيصل بن تركي قال هذه القصيدة في عام 1253هـ.

 

الامام عبد الله بن سعود
الامام عبد الله بن سعود

 

مناسبة القصيدة

قال الشاعر محين الشامسي قصيدته ممتدحاً الإمام فيصل بن تركي (رحمه الله)، وفي أبيات القصيدة ما يوحي بتأثُّرِه بقصيدة الإمام فيصل التي قالها في انتصاره على الغزو العثماني، ويذكر فيها من خانوه والتي منها:

هبت هبوب النصر من سبع الأطباق

للدين عز ونقمة للخنازير

امنولٍ نرسل مكاتيب وأوراق

واليوم بأطراف الرماح السماهير

 

 كما أنَّ الشاعر يبين حالته ووفاءه، حيث شارك مع جيوش الدولة السعودية في حروبها في عمان، وقد كسرت رجله وبقي في الأحساء، وقد ذكرت بعض المصادر تاريخ تدوين النص عام 1255هـ، ولكن الواقع التاريخي يثبت أنَّ الإمام فيصل بن تركي كان بين عام 1254هـ ومنتصف عام 1259هـ، في مصر، وبالتالي القصيدة قيلت في النصف الأخير من عام 1253هـ.

 

دراسة النص

تعدُّ القصيدة من المطولات، ويبلغ عدد أبياتها 65 بيتاً، وقد بدأ الشاعر قصيدته ناصحاً بألا يتساهل أحد في إدراك المعالي، وأن يحسب حسابه جيداً، وينظر للأمور بعين العقل والبصيرة لا البصر، ومن عميت بصيرته لن يهتدي ببصره، ومن لا يكون حذراً فطناً في حساباته للأمور فستفتح عليه أبواب شر هو في غنى عنها، ويؤكد أن من الشعر حكمة يدركها العاقل، خاصة إذا كان صاحب ثروة يخشى عليها من الزوال، إذ يجب أن يؤدي ما عليه من زكاة وصدقة وأن يتجنب الربا والمعاصي، ثم ينصح كل أصحاب الملك الذين يخشون عليه من الضياع بأن يقيموا العدل ويأخذوا للضعيف حقه من الشريف، وأنه متى فشى الفساد في بلد فعلى الرجل أن يرحل عنها إلى غيرها، ففساد الديار ليس من إلا من أهلها، ويضرب مثالاً بمن تنكروا للإمام فيصل بن تركي وانحازوا إلى أعدائه وجزوا إحسانه بالسيئة، وقد وهبهم السيوف والخيل والهجن والسلاح، بل واستخدموا ذلك في حربه، وفي ذلك إشارة إلى قصيدة الإمام فيصل التي منها:

بلاي من قومٍ عليها الردى ساق

عقب الجمايل ضيعوا نية الخير

ماكولهم عندي عناقيد واشناق

ومشروبهم در البكار الخواوير

وملبوسهم من طيّب الجوخ ما لاق

ونفلتهم بمصقلاتٍ بواتير

وقصري لهم عن لافح البرد مشراق

وبالقيظ ظلٍ عن سموم الهواجير

ومركابهم عندي طويلات الاعناق

قبٍ اصايل مبهمات المسامير

ثم يتمنى أن يكون هناك ميزان للرجال يُقدر رجولتها، وينتقل بعدها إلى أمنية أخرى هي إركاب رسول على جمل نجيب أصيل يمتاز بالقوة وسرعة الجري، يُحَمِّلُه رسالة بقصيدة تتزين بمدح الإمام فيصل ويدعوه (شيخنا)، متمنياً أن يصل إليه في مدة يومين وهو في أحسن وأسعد حال، كما يتشوق الشاعر لمشاهدة الإمام فيصل واصفاً إياه بالشجاع، ويتمنى أن يُقَبِّلَ يده التي تعودت على البذل والعطاء، عسى أن يشمله برعايته، خاصة إذا عرفنا أنه كان كسيراً في الأحساء حسب ما جاء في أحد الأبيات، ومذكراً إياه بمواقفه في حروب الجيوش السعودية في عمان، وكيف أنه كان مع من يهجمون على أسوار الحصون بوساطة السلالم، ولا يخشون الرصاص، حتى تمكنوا من الانتصار وإخماد نار الفتنة، ثم يُبَيِّن أن فيصل يرى العدل واجباً في الرعية وميزانه في الحق واحد للجميع، ولو كشفنا عن أحوال الأمم لوجدناها تدعو على سلاطينها، إلا أن الرعية تحت حكم الإمام فيصل ومن معه من الحاضرة والبادية تدعو له بالثبات وأن يُصلح الله شأنه، فهو شيخ ناصر لدين الله باذل ومنفق للأموال في الجهاد، وهو حاتم هذا الزمن في المروءة والكرم، وهو عنترة في إقدامه، وهو سمح المحيا باسم متواضع ليس فاحشاً ولا متكبراً ولا يَمُنُّ بعد عطائه الوفير، وهو حر أبِيٌّ إذا غضب ففرائسه ملوك السباع، وهو أشد غيرة من جساس على جيرانه عندما يتخلى عنهم حثالة الناس، ثم إن الشاعر يدعو بالبلاء على كل من تخلى عن الإمام فيصل، وهنا ما يمكن أن يؤخذ كدلالة على أن القصيدة جاءت نتيجة تأثر الشاعر بقصيدة الإمام فيصل، ولكنها مختلفة في البحر والقافية.

دلالات من النص

1-       كانت تربط الشاعر بالدولة السعودية الأولى والثانية علاقة ولاء ففي أحد أبيات هذه القصيدة يقول:

ربعي هل العوجا فهم لك خزنه

ونفسٍ تعين الحق الله عانها

كما نجده في قصيدة أخرى يذكر الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود وابنه الإمام سعود بن عبدالعزيز:

وإمّا غدا لي من محب عزيزي

غيبت كني جاهل ضاع زيزي

مدامعي تجري على صفح لوجان

 

2-       احتفاء الشاعر الإماراتي محين بانتصار الإمام فيصل بن تركي في المواجهة الحربية مع الغزو العثماني ومن يواليهم من الخونة الذين أحسن إليهم:

شـف كيـف بـاروا بالمتـوج فـيـصل

وجـازوه بالـسيَّـات عـن إحسانها

مـن النـضـا والـخـيل مـع تفـقانها

وقـاموا يـهوشـونه ببـعض اسـلاحه

حـرارهـا والـجـم مـن عبـدانـهـا

إلى قوله:

الله عـسـى مـن بـار فيـه يـعاقـب

عـقـوبـةٍ تـلـحـق علـيه أمـحانها

 

من أطلال الدرعية
من أطلال الدرعية

 

3-       اتفاق المصادر الشعرية على أنَّ أصل إبل السباق الأصيلة من منطقة الظفرة ومن سلالة الفحل “ظبيان”، تأكيداً لما ذكره راشد الخلاوي منذ أكثر من ستمئة عام في قول الشاعر محين:

حرفٍ مذكرةٍ أبوها خالها

وظبيان والجماح من عمانها

    وكذلك في الإشارة الضمنية في قصيدة الإمام فيصل بن تركي:

وخلاف ذا يا راكبٍ فوق سباق

هميلعٍ مرباه دار المناصير

 

الهوامش:

1-       ميشانها: أي نيشانها من النيشان وهو الهدف وفي لهجتهم قديماً تقلب النون ميماً.

2-       ابرانها: أي فسادها.

3-       حرف: عملة تسك قديماً ويضرب بها مثلٌ فيقال (فلان حرف ما يبور) وهنا يقصد ناقة أصيلة.