اللغة العربية من سيبويه إلى «العربيزي»

block-3-1 مجلة مدارات ونقوش – العدد 6

 259 عدد المشاهدات

الكاتب: جمال بن حويرب

لغتنا العربية هي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف واللسان المشترك، الذي يجمع أكثر من مليار مسلم على وجه الأرض، هي لغة التفكير العلمي والإبداع والابتكار الذي يحقق للأمة القوة والطاقة والإنجاز والاختراع والتقدم.

 

حين نكتب ونبحث ونُطلق البرامج والفعاليات التي تعزز من أصالة اللغة العربية، نواجه دائماً برد الفعل عند البعض ممن يقول: نحن أبناء قرن جديد، نعيش في العصر الرقمي، في عصر تهيمن عليه اللغة الإنجليزية، وأنتم تطلبون منا محاكاة لغة سيبويه، ونحن نحلم بالتطور والحداثة والتقدم والوصول إلى أعلى القمم في الحضارة.
دعوني هنا أشير إلى حقائق تاريخية لا يمكن إنكارها، لغة أي قوم هي تاريخهم ومجدهم وعزهم وثقافتهم، وهي العلم والمعرفة والحضارة والسبق والفوز والإبداع، ومما يكاد يجمع عليه علماء الاجتماع، أنّ اندثار اللغة هو اندثار الذات، وغياب الشخصية، وغروب حقيقة الهوية.
وأضيف إلى ذلك حقيقة أخرى قد تكون غائبة عن كثير منا، وهي أنّ كل دولة من دول العالم تبذل جهدها للحفاظ على اللغة الوطنية من أي تأثيرات ضارة، وتدافع عنها بشراسة في مواجهة تأثير اللغات الأخرى، لهذه المهمة، تحرص بقوة على تجنيد كل الوسائل المتاحة حتى لا تصاب لغتهم القومية بالضياع أو الضعف أو حتى الموت الذي لحق بعدد كبير من اللغات، حيث أعلنت «اليونسكو» أن هناك 3000 لغة مهددة بالانقراض حتى سنة 2050، بل هناك 2400 لغة منها ستنقرض بأسرع مما يظن، وأشهر شاهدة على انقراض لغة حية، هي ماري سميث جون، آخر متحدثة بلغة قبيلة إياك في آلاسكا، وكانت تقول: «إنه لمن المزعج أن تكون وحيداً تتكلم هذه اللغة» فهل تظنون أنّ لغةً عريقةً عظيمةً مثل اللغة العربية يمكن أن تنقرض يوماً ما؟.
عند ابن خلدون في ما أقره في مقدمته: إن قوة اللغة في أمة ما، تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم، لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها، ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم، يقول ابن خلدون عن ذلك: «المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها».
نعم إنّ المغلوب الذليل هو الذي يريد أن يقلد عادات ولغة من غلبه، أما الدول الغالبة، فهي باقية في مجدها لا تحتاج إلى تقليد أحد. أليس هذا ما نراه اليوم، وحذَّر منه أهل الرأي والعلم منذ زمن بعيد، حتى قال الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي (توفي 1937): «وإننا لنرى عجباً من بعض من استهوتهم الحضارة الغربية، فهم مستغربون في اتجاههم وحبهم وعاداتهم، فتجد أحدهم إذا تكلم بالعربية، فإنه يتكلم بلغة تلعنها العربية، ورأيته يتكلف نسيان بعض الجمل العربية ليلوي لسانه بغيرها، لا تظرفاً ولا تملحاً ولا إظهاراً لقدرة أو علم، ولكن استجابة للشعور الأجنبي الخفي المتمكن في نفسه، أتدري ما هو سر هؤلاء الكبراء الذين يطمطمون إذا تكلموا فيما بينهم؟ إنهم طبقات: وذكر منهم من يتكلفون هذا، لما في نفوسهم من طباع أحدثها الخضوع والذل للغرب. فاللغة الأجنبية بينهم تشريف وفخر».
هذا التأثير اللُّغوي هو الذي دفع المسلمين قديماً نحو ترجمة العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية، فكانت العربية هي لغة المنهج ولسان التعامل بين أبناء المجتمع، ولكن لم يكونوا أذلة في ترجمتهم، ولا أظهروا الخنوع، بل ترجموا العلوم إلى العربية، وزادوا عليها كثيراً من العلم، حتى أصبحت هذه الترجمات لا قيمة لها، ولا تقارن مع الكم العلمي الكبير الذي اكتشفه علماؤنا الأوائل.

 

عصر «العربيزية»
شاهدنا عصر «العربيزية»، التي يدعي الجيل الجديد أنها لغة العصر، تستخدم في رسالة إلكترونية أو رسالة في الهواتف، وفي كتابة المحادثات عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. لغة هجينة بين اللغة العربية وحروف لاتينية. انحسرت العربية من حياتنا اليومية، وفي المناهج الدراسية في كل حقل وميدان. أليس هذا هو بداية ضياع الهوية؟.
وقد سألني أحد القراء، عن سبب اختياري لسيبويه عنواناً لمقال سابق بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، فأجبته بقولي إن سيبويه ولد في شيراز في أسرة لا تعرف اللغة العربية وإنما تعلمتها بعدما انتقلت إلى البصرة، وبقي سيبويه إلى يوم وفاته وفي لسانه «حبسة»، ومع هذا فإن سيبويه قدم للأمة العربية كتاباً من أهم الكتب في علم اللغة العربية، وإذا ذكر «الكتاب» في كتب اللغة، فإنهم لا يعنون بذلك إلا كتاب سيبويه، هذا الرجل العالم الأعجمي، قدم لنا ما لا يمكن لنا أن نشكره عليه، سوى أننا نترحم عليه ونسأل الله له الجنة.
وفي مقابل هذا، نجد الشباب العربي يستخدم ما يسمى «العربيزي» استهتاراً واستخفافاً بلغتهم، لغة عزهم وفخرهم ومجدهم وتاريخهم، ولمن كان لديه شك في عظمة لغته وانهزامه إلى اللغات الأخرى، فأود أن أذكر ما قاله الغربيون عن لغاتنا، حيث تعلّق قلب عميد الأدب الألماني «غوته» (1749 – 1832) باللغة العربية وآدابها واهتم بها، فقال: «نجد عند العرب كنوزاً رائعة في المعلقات، وأنّ العرب يولدون شعراء وينشؤون كذلك»، وفي ديوانه (الشرقي للمؤلف الغربي) نصٌّ جميلٌ ومؤثرٌ، ووصفٌ رائع للعرب يدلُّ على منزلتهم عنده وعلو قدر لغتهم وأشعارهم، فيقول يذكر المنن الأربع: «لكي يسعد العرب في صحرائهم راتعين في جمال الفضاء؛ حباهم الله ذو الخير أربع منن: العمامة وهي زينة أروع من التيجان كافة، ثم خيمة يحملونها من مكان إلى مكان حتى يعمروا بها كل مكان، ثم حسام بتّار وهو أمنع من الحصون وشاهق الأسوار، ثم القصيد الذي يؤنسهم ويفيدهم، ويستهوي أسماع الغواني».
كما قال المؤرخ اللغوي الإيطالي كارلو ألفونسو نلينو (1878 –  1938) عن لغتنا الخالدة: «اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقاً، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها». أما المستشرقة الألمانية زغريد هونكه (1913 – 1999) التي عاشت طيلة حياتها تهيم بالشرق وتدافع عن العرب وعن تاريخهم فتقول: «كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى في حبها من سحر هذه اللغة».

 

تمهيد

وهناك قصة مرتبطة بدوجلاس دنلوب، الذي ولد في اسكتلندا 1860، وتخرج في القسم اللاهوتي في إحدى كلياتها، وجاء إلى مصر مبشراً 1889 وضع المخطط الأساسي لتغريب التعليم والتربية وإقصاء الإسلام عن برامج التعليم في المدرسة المصرية، باعتبار أنّ التعليم والتربية لهما أكبر الأثر في مخطط التغريب والشعوبية والتبشير والاستشراق، إن لم تكن هي جوهر هدف الاستعمار الأساسي. وكانت أبرز أعماله محاربة اللغة العربية والإسلام والأزهر، ونشر لواء اللغة الإنجليزية وتأهيلها للسيطرة الكاملة على كل شؤون التعليم للقضاء على نفوذ اللغة العربية، ولقد مضى في ذلك إلى حد أنّه جعل تعليم سائر العلوم كالرياضيات والتاريخ والكيمياء والجغرافيا والرسم باللغة الإنجليزية، وضيق على اللغة العربية تضييقاً كبيراً.
وممّا يذكر أنّه كان يستقدم معه عدداً كبيراً من الإنجليز حملة الشهادات الأهلية، وقد اختارهم بنفسه، وكان أبرز كتابات هؤلاء المدرسين الكراهية للغة العربية والعداء للحرية ومحاولة تحطيم آمال الأمة العربية وتغريب التلاميذ واتهام تاريخ العرب والمسلمين، وإثارة الشكوك حوله، واتهام الحضارة الإسلامية العربية بالاتهامات المختلفة. وقد استمر هكذا حتى سنة 1919، لنتخيل كم من الأجيال ضاعت بسبب ما صنع هذا المبشر، وقد ذكر كرومر في تقريره أنه لا يريد التعليم العالي لأهالي مصر، فقط يريد أفندية للإدارة ودعم الطبقات العليا التي أصبحت في كثير من أعمالها غربية تماماً.
لعل كل ما حصل في الماضي يفسره ما يحصل في هذا الوقت، بل كان تمهيداً لما يسمى «العربيزي»، فيا عجباً كيف تشهد الدنيا بتفوق لغتنا على جميع اللغات، ويأتي من يعيبها ويتخلّى عنها من أجل لغة أجنبية تشبه في صوتها صوت آلات المصانع إذا تحرّكت، فلا رونق لها ولا جمال ولا تاريخ يُذكر!
فغربة اللغة العربية بين أهلها لا تخفى على كل متأملٍ في الأحوال والأحداث التي تدور حولنا، من تعليمٍ وتجارةٍ وأعمالٍ حكوميةٍ ومطاعمَ وملاهٍ، حتى بين أفراد الأسرة العربية الواحدة المغرقة في العروبة نجد العجب العجاب، فالوالد يحثُّ أبناءه وبناته على اللغات الأجنبية، ويحدّثهم بها وهو يشعر بالفخر والزهو .
اللغة هي الرابط الأسمى بين المجتمع الواحد وإن اختلفت أعراقهم؛ فمن لغته غير لغتك فإنه لا يمتُّ إليك بصلةٍ ولا يشعر بك.. كذلك من ينصرف عن لغته الأم فهذا له نفسية قد أصيبت في صميمها، وشخصية أصبحت ضعيفة مهزوزة لا تصلح وقت الأزمات، لأن سقوط مكانة لغته القومية من مكانها الطبيعي في نفسه، يؤدي إلى سقوط كل المسلّمات والفطرة الصحيحة ، ولهذا يصحُّ أن يقال إن اللغة لا تمثل نصف الولاء للمجتمع فقط، بل قد تمثل الولاء كله لو كان قومي يعلمون.
إذا كانت المناهج الدراسية تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في تشكيل الهوية الوطنية، فإن اللغة هي قلب الهوية الوطنية وروح الأمة، هي الإطار الذي يتم من خلاله الانتماء والولاء للدولة والأمة. لذلك فإن كل الدول تحرص بقوة على تجنيد كل الوسائل للحفاظ على لغتها الوطنية من أي تأثيرات ضارة، والدفاع عنها في مواجهة تأثير اللغات الأخرى.
فلنكثف الجهود يا أبناء اللغة العربية وحماة الفصحى والقوامين عليها، ولنستحضر عراقة اللغة العربية من الماضي الحيّ، زمن سيبويه ومن قبله الخليل الفراهيدي والكثير من أبناء الإسلام من أعراق شتى، الذين حملوا راية العربية عبر القرون، ولنجعله واقعاً ملموساً يطمس حاضر «العربيزي» تعزيزاً لمستقبلٍ أفضلَ وغدٍ منشودٍ.