اللهجة المحليَّة وأسرارها المجهولة

block-2 الإمارات مجلة مدارات ونقوش – العدد 9

 136 عدد المشاهدات

الكاتب: جمال بن حويرب
 
 
تعرَّضت اللُّغةُ العربيَّةُ إلى نكساتٍ تاريخيَّةٍ عدَّة على مدى القرونِ التي تلَت ظهورَ الإسلام، حيث دخلَ النَّاسُ في دين الله بكلِّ اللُّغاتِ والأجناس، واختلطوا بالفاتحينَ العربِ الأوائل؛ فتغيّرت ألسنةُ الفصحاء، وضاع ميزانُ اللُّغةِ العربيَّةِ القديم، وكلَّما ابتعدَت القرونُ عن بدايةِ الإسلاِم زادت العاميَّة تفشّياً. وقد تداركَ العلماءُ اللُّغةَ العربيَّة؛ فوضعوا لها القواعد، وجمعوا لها المعاجم اللغوية، ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا ودوّنوها في كتبهم، جزاهم الله عنّا خيرَ الجزاء، حتى الشعر وأوزانه وكيفية كتابته خصّصوا له علماً وأسموه العروض، وكان مكتشفه الخليل بن أحمد الفراهيدي العماني، رحمه الله تعالى. وبهذا التدوين حُفِظَ معظمُ اللغة الفصحى، ولا أستطيع الجزم بأنها جُمِعَت كلها، ولو تمَّ جمعها فلا أستطيع أيضاً تأكيد وصولها سالمة، وخاصة بعد الدمار المغولي الذي تعرّضت له بلاد المسلمين. ولكننا نحمد الله على الموجود؛ ففيه كفاية وزيادة، وماذا نريد أكثر ممّا وصلنا، وقد رغب عن اللغة أهلها وصاروا يجدون عزّتهم ومتعتهم في الرطانة وتقليد الأمم المتغلبة، ولا ينظرون إلى العربية إلا ماضياً عفى عليه الزمن!!

وإذا حظيت اللغة العربية باهتمامٍ بالغٍ من اللغويين طيلة القرون الإسلامية الأولى والتي تلتها، فإنَّ اللهجات التي تكوّنت بعد شيوع اللحن (الخطأ اللغوي) لم تحظَ بأيِّ نوعٍ من الاهتمام العلمي، وكأنها مرفوضة جملةً وتفصيلاً من العرب. والذي يزيدني استغراباً أنَّ العامية التي أهملوا تدوينها هي لغتهم التي يتحدّثون بها في الأسواق والبيوت، أمّا العربية فكانت لغة الخطابة والعلم فقط، وقد يكون المانع أنهم لا يريدون أن تنشغلَ الأجيالُ إلا باللغة العربية الفصحى؛ لأنَّ العامية تتغيّر مع السنين، أمّا العربية فهي باقية إلى ما شاء الله، وفيها أيضاً حِفْظٌ للقرآن الكريم.
قد يكون هذا من الأسباب، ولكني أتفجّع على هذه الجهالة المطلقة بالتاريخ اللغوي لدينا، وكان من المفروض أن يسجِّل كلُّ جيلٍ المفرداتِ التي أُحْدِثَت، والتغييرات التي طرأت على معاني الكلمات عبر الزمن، لنتعرّف إلى تطوُّر لغتنا ولهجاتنا. وأضرب لكم أمثلةً على ذلك من لهجتنا المحلية التي يوجد فيها كثير من الأسرار المجهولة، والتي تحتاج إلى جهدِ علماءَ لاكتشافه؛ فنحتاجُ مثلاً إلى علماءَ متخصصين في المعاجم والبلاغة والشعر والقواعد حتى ندرك شيئاً من سرِّ تطوُّر اللهجة وعلاقتها بأمها اللغة العربية؛ لأنني على مدى السنوات الماضية اكتشفت كثيراً من المعاني البعيدة في لهجتنا، والتي يستبعدُ أيُّ دارسٍ علاقتها بالفصحى ولكنها في الحقيقة لا تنفصل عنها بل في عمقها العميق.
وجدتُ لهجتنا تعتني جداً بالمعاني البلاغية من استعارةٍ وكنايةٍ وغيرها، حتى حلَّت هذه المعاني محلَّ معاني الكلمة الأصلية، ممّا يجعل الدارسين يستبعدون فصاحة هذه الكلمة أو تلك أو يبحثون عن حل آخرَ كاستبدالٍ أو تحريفٍ، إلا إذا وجدوا المعنى نفسه في أحد المعاجم، وهذا خطأ يقع فيه كثيرون، وخاصة من إخوتنا العرب الذين لا يعرفون مداخل اللهجة المحلية ومخارجها، وأضرب لكم مثالاً من هذه الأمثلة الكثيرة، وهو قول الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي:

 

 

يا حلـوين المباسمْ قلـبي جداكم لانْ

                              بنزوركم في الباسمْ يا خـلان الـزمانْ

فمفردة الباسم لا يُفْهَمُ منها إلا الوجه المبتسم في الفصحى؛ إذ إنَّ الابتسامَ دونَ الضَّحك، ولكن أجدادنا استخدموا هذه المفردة بمعنى أوّل موسم الرّطب؛ لأنَّ الوجوهَ تكونُ باسمةً في هذا الوقت، فكان هذا الأمرُ تجديداً لغوياً لم تسجّله المعاجمُ الأولى.