جاك بريجز ضابط بريطاني لن تنساه دبي

أعلام الراوي مجلة مدارات ونقوش – العدد 16 - 17

 

تتعلَّق قلوب الرجال في البلدان فتسكن فيهم قبل أن يسكنوا فيها، ويصيرون جزءاً من ذاكرتها الجميلة.. يسهمون في بناء نهضتها من موقعهم، وتسهم في جعلهم من رجالات التاريخ، تعطيهم الفرصة في الظهور والتميُّز ويعطونها على قدر المحبة وفاءً وإخلاصاً وخدمةً وتفانياً. فهذا الرجل الذي وُلِدَ في لندن وانتقل إلى فلسطين وجاب الوطن العربي شرطياً حتى وصل إلى دبي، يعلمُ في قرارة نفسه أنه استقرَّ في مدينة تملكُ سراً يكمنُ في سحرها وكرم حكّامها وطيبة أهلها وعاداتها وتقاليدها، فكيف لبريطاني أن يعملَ شرطياً وقائداً للشرطة في العديد من الدول العربية بكل هذا الحب؟!

إلى العالم العربي.. سِرْ

عندما رأى جاك بريجز إعلاناً يطلب متطوعين للانضمام إلى قوة الشرطة الفلسطينية خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن ليتخيَّل إطلاقاً أن ذلك سيكون نقطة بداية لعلاقة حب طويلة الأمد مع العالم العربي.

وُلِدَ جاك بريجز عام 1920 في أحد أحياء عاصمة الضباب لندن، ولم يكن هذا الطفل الذي أمضى طفولته في مدينة أكرينجتون شمال غرب إنجلترا يعلم أنه سيمضي بقية عمره في البلاد العربية متنقلاً بين مدنها وعواصمها في قَدَرٍ غريب عجيب جميل. كانت أوروبا تلتقط أنفاسها من هول الحرب العالمية الأولى لتدخل في الحرب العالمية الثانية عندما ترك جاك المدرسة في سن الرابعة عشرة، وكان يميل إلى الانضباط في كل أمور حياته؛ فانخرط في فرقة الحرس التابعة للجيش البريطاني، وكان محباً للاستكشاف والأسفار ورؤية العالم من حوله ومتحمساً للعمل في الخارج فانتقل إلى فلسطين بعد أن قرأ إعلاناً يطلب متطوعين للانضمام إلى قوة الشرطة الفلسطينية، وسرعان ما أصبح يجيد اللغة العربية التي كانت جسر محبة بينه وبين العرب الذين يعيش معهم.

في أواخر أربعينيات القرن الماضي وبعد نحو سبع سنوات من العمل في فلسطين، عاد بريجز إلى إنجلترا بعد انتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين في مايو عام 1948، حيث واصل العمل شرطياً هناك. غير أنه لم يمضِ هناك سوى بضع سنوات، إذ يبدو أنَّ الفترة التي عاشها في فلسطين قد تركت لديه شغفاً تجاه الشرق الأوسط. وفي هذا السياق يقول ابنه جون بريجز «أعتقد أنَّ حبَّه للغة العربية، إضافة إلى العمل الشرطي قد أعاداه إلى المنطقة». وانضمَّ جاك بريجز بعد ذلك إلى شرطة البحرين قبل أن يتمَّ تعيينه برتبة رائد في الشارقة، عندما شَكَّلت «قوة ساحل عُمان» قوة شرطة عام 1964 وتمَّ تعيينه لقيادتها، لِيُعارَ بعد ذلك إلى قوة الشرطة في دبي، حيث عمل إلى جانب المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي. وفي عام 1965، تمَّ تعيينه قائداً للشرطة في دبي، وهو منصب شغله لمدة 10 سنوات، ثمَّ أمضى 11 سنة في العمل مستشاراً لقوة الشرطة حتى تقاعده عام 1986، حيث أصرَّ الحاكم أن يكونَ له منزلٌ في دبي وأن تتمَّ استشارتُه باستمرار.

عشقه للغة العربية

كان جاك بريجز يجيد اللغة العربية ويتحدثها بطلاقة، ما ساعده على كسب احترام العديد من المواطنين الذين خدموا إلى جانبه وتحت قيادته، ويقال إنه كان يتقن اللهجة المحلية، ما مهَّد له الطريق إلى قلوب الناس الذين أحبُّوه واحترموه بقدر ما أحبَّهم واحترمهم وسهر على أمن شوارعهم وأسواقهم إلى جانب حراسة قصر الحاكم ومباني الحكومة.

ساعدته مهاراته اللغوية على تحصيل درجة جامعية عن طريق المراسلة باللغة العربية الفصحى من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن في الستينيات، وقام بترجمة العديد من المؤلفات من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية ومن أبرزها كتابات معالي محمد أحمد المر مثل «غمزة الموناليزا» و«حكايات دبي». وهذا إنجاز رائع لا سيما عندما نتذكَّر أنَّ جاك بريجز ترك تعليمه في المرحلة الإعدادية وعمره 14 عاماً.

 

شهادات قيلت فيه

يقول معالي الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي عن جاك بريجز: «إنه كان ثالث رئيس للشرطة في مدينة دبي عندما تمَّ تعيينه في عام 1965.. وأعدُّه مؤسِّسَ الحداثة في شرطة دبي. لقد كان شخصاً طيِّبَ القلب، وفي الوقت ذاته كان ضابطاً راجح العقل.. كان يتقبَّل النقد ويعترف بالخطأ». ويضيف معاليه متحدثاً عن بريجز: «لقد لمست لديه خصالاً نادراً ما تراها في الناس، خاصة أولئك الذين يتحمَّلون مسؤوليات جمّة مثله. إني أكنُّ الكثيرَ من التقدير والاحترام لهذا الرجل». عاد بريجز إلى دبي عدة مرات بعد تقاعده، وزار خلال إحدى رحلاته إلى دبي (في 9 مارس 1998) متحف شرطة دبي، الذي تمَّ افتتاحه عام 1987، والذي يوثِّق مراحل تطوُّر شرطة دبي وإنجازاتها منذ عام 1956، متضمناً صوراً شخصية وتاريخية.

أسهم بريجز في إنشاء فريق الدراجات الهوائية في شرطة دبي

بريجز يرافق الشيخ راشد بن سعيد في أحد التدريبات الشرطية

 

محمد بن راشد في حديث مع جاك بريجز

ويقول إيان فيرسيرفس، الشريك الإداري ورئيس تحرير مجموعة موتيفيت للنشر، التي نشرت بعض أعمال بريجز: «إنه كان واحداً من أكثر الرجال الذين عرفتهم تواضعاً». ويضيف: «لقد كرَّس جلَّ وقته وجهده تجاه تقدُّم دبي، وكان له تأثيرٌ ودورٌ كبيرٌ في تحديث وتطوير قوة الشرطة في دبي. لقد حاولنا عدة مرات أن نقنعَ جاك بأن يؤلِّف كتاباً عن حياته؛ إذ إنه كان لديه كثيرٌ من القصص الرائعة والمشوِّقة، لكنه كان متواضعاً للغاية فلم يقبل».

وفي مقابلة أجرتها صحيفة جلف نيوز مع جون بريجز، ابن جاك، عقب وفاته، قال: «إنَّ والده أحبَّ دبي المدينة وشعبها، واستمتع بكل دقيقة عمل فيها. وحتى بعد تقاعده كان يزور دبي بشكل متكرر ورغم أنه كان يراها تتغيَّر كثيراً في كل مرة، فإنه كان يرى التقاليد والثقافة ثابتة وراسخة». ويضيف جون بريجز: «كان والدي يرى في الشيخ راشد رجلاً عظيماً، وكان معجباً بشخصيته ويكنُّ له جزيل الاحترام؛ لما قدمه هذا الرجل من أعمال لإمارة دبي».

ثنائي جميل

تقول السيدة إيزابيل أبو الهول (أم منصور)، رئيس مؤسَّسة الإمارات للآداب: «لقد أتيت إلى دبي عام 1968 وعشت فيها منذ ذلك الحين، وتعرَّفت إلى جاك بريجز وزوجته (كاث). في تلك الأيام، كانا يعيشان في منزل كبير مقابل مستشفى آل مكتوم الذي أصبح متحفاً اليوم. كانا يشكّلان ثنائياً جميلاً، أنجبا 3 أولاد؛ ابنة وابنين، وإنه لأمرٌ جميلٌ أن نرى هذه العائلة تتكوَّن وتعيش في دبي».

وتضيف أم منصور قائلة: «في ذلك الوقت كان جاك بريجز قائد شرطة دبي، ومن المثير للاهتمام أنه كان يجيد التحدُّث باللغة العربية؛ فهناك العديد من الناس الذي سكنوا العالم العربي نحو عشرين أو ثلاثين سنة، لا ينطقون إلا كلمتين أو ثلاثاً باللغة العربية، أمّا جاك فقد كان مولعاً باللغة العربية، ولم يكن يتكلَّم العربية بطلاقة فحسب، بل كان يتقن أيضاً اللهجة المحلية في دبي. وإلى جانب عمله، قرَّر تعلُّم العربية في جامعة لندن؛ فنال شهادة دراسات عليا وكان ناجحاً في ذلك، فدرس الشعر العربي القديم، وقرأ عدداً هائلاً من الكتب وازداد شغفاً وتعمُّقاً بهذه اللغة».

حب دبي

وتستطرد أم منصور حديثها بالقول: «أنا على يقين بأنَّ جاك بريجز عندما وصل هو وزوجته (كاث) إلى دبي منذ عدة سنوات، شعرا بأنها موطن لهما، وكان جاك يواظب على لقاء أبناء الإمارات وحضور مجالسهم لمناقشة الشعر والأدب، وباعتباره محباً للغة العربية فقد كان هذا العالم متاحاً أمامه. وأعلم أنه حتى بعد تقاعده سكن في دبي، إذ إنَّ المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، طيَّب الله ثراه، وفَّر له منزلاً، وكان جاك وزوجته سعيدين بالاستمرار في العيش في دبي، غير أنَّ زوجته تدهورت حالتها الصحية فاضطرا للعودة إلى المملكة المتحدة، لكن جاك بريجز استمرَّ في زيارة دبي لقضاء العطلات القصيرة وزيارة الحكّام وأصدقائه، وليحافظ أيضاً على إتقانه للغة العربية ويستمرَّ في ممارستها، فلا ينسى هذه اللغة التي عشقها».

 

بريجز وزوجته في زيارة لدبي

جانب من تكريم بريجز في إحدى المناسبات

كان بريجز شغوفا  برياضة ركوب الدراجات الهوائية

وتضيف إيزابيل أبو الهول: «للأسف توفي جاك إثر نوبة قلبية، ولكن يوم وفاته كان قد قرَّر الذهاب في جولة طويلة على دراجته الهوائية في المملكة المتحدة، وبعد أن اجتاز نصف المسافة بدأ يشعر بالدوار فتوقّف عند متجر لبيع الصحف في أحد الشوارع، فدخل وأحضر قارورة مياه، ثمَّ جلس على جانب الطريق، وهناك أصيب بنوبة قلبية فتوفي».

وتختتم أم منصور شهادتها عن جاك بريجز بالقول: «لا يمكنني التحدُّث عن الجانب المهني في مسيرة جاك بريجز، لكنني أعرف تمام المعرفة أنه كان موضع إعجاب من جميع الذين عملوا معه؛ بفضل نزاهته وسلوكه إزاء العمل وتفانيه وإخلاصه للعائلة الحاكمة في دبي».

هواية قائد

ويقول اللواء عبد الرحمن رفيع، مدير الإدارة العامة لخدمة المجتمع في شرطة دبي: «إنَّ جاك بريجز كان أحد أفضل القادة الأجانب في البلاد، إن لم يكن الأفضل، كان من هواياته لعب السنوكر وركوب الدراجات الهوائية، وقد أسهم في إنشاء فريق الدراجات الهوائية في الشرطة، لكن ركوب الدراجات الهوائية لم يكن هواية وحسب لدى جاك بريجز، بل كان محترفاً يشارك في البطولات والسباقات. كان بريجز يعشق ركوب الدراجات، بل إنه فارق الحياة وهو يمارس هوايته المفضلة، إذ توفي إثر سكتة قلبية أثناء ركوبه دراجته على بعد أميال قليلة من منزله في هامبشاير في جنوب إنجلترا».

الرحيل

أسهم شغف جاك بريجز بهذه الرياضة في جعل سباق الدراجات الهوائية رياضة إماراتية معترف بها، تحظى بدعم الدراجين الإماراتيين والوافدين. وتوفي جاك في عام 2006 عن عمر يناهز 86 عاماً بينما كان يستقلُّ دراجته. وكان ليسعده حتماً معرفة أنَّ المدينة التي أحبَّها تنظِّم اليوم أحد أهم الأحداث للرياضة التي عشقها، طواف دبي للدراجات الهوائية، الذي ينظِّمه مجلس دبي الرياضي تحت رعاية رئيسه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي.

انتقل بريجز إلى إنجلترا عام 1996 للاستقرار بشكل نهائي هناك، لكنه لم يغب طويلاً عن دبي المدينة التي سهر على أمنها وأحبَّها من كل قلبه وأعطاها سنين طويلة من عمره وباتت جزءاً لا يتجزّأ من ذاكرته، وكانت آخر زيارة له إليها في مارس عام 2006 قبل وفاته بأشهر، حيث توفي في بلده في بتاريخ 26 يوليو من عام 2006 عن عمر ناهز 86 عاماً، تاركاً أثراً جميلاً وطيباً في نفوس وعقول كل من عرفه أو سمع عنه من أهل دبي والعالم العربي.

من ذاكرة الشرطة

في يونيو عام 1956 تأسَّست شرطة دبي، وتمَّ تكليف النقيب البريطاني بيتر اتش كلايتون بتولي منصب قائد شرطة دبي، واستمرَّ في منصبه عامين فقط، حيث تولّى الرائد بيتر جورج لوريمير قيادة الشرطة في عام 1958 وكان تعداد رجال الشرطة حينذاك 80 فرداً، أمّا القيادة الثالثة فقد جاءت في عام 1965 ليتولى جاك بريجز قيادة الشرطة، فأخذ تعداد الشرطة يزداد تدريجياً ليصل إلى 200 فرد عام 1968.

 

أحد رجال الشرطة ملقيا التحية العسكرية

بريجز يسلم على حمد بن عيسى آل خليفة

خلال تكريمه في أحد المحافل

بقي بريجز على رأس قوة شرطة دبي حتى عام 1975. وكانت مهام الشرطة في بداياتها الأولى لا تخرج عن حراسة الأسواق وقصر الحاكم والحكومة، وتعدُّ مرحلة السيد بريجز بحق هي بداية مرحلة التطوُّر لشرطة دبي، فقد بدأ بتنظيم القوة، وزاد عددها لتواكب العصر ومتطلباته، وأصدر قانوناً للشرطة، كما أسَّس مدرسة لتدريب الشرطة وأعلن عن أول دورة للضبّاط من المواطنين. وأوَّل شعار لشرطة دبي صمَّمه القائد كلايتون، وبقي معتمداً في عهد الرائد لوريمر، ليتمَّ تغييره في عهد جاك بريجز الذي أصدر أوَّل أمر مكتوب صادر عن شرطة دبي عام 1968، فقد كانت قبله كافة الأوامر شفهية. وهذا كله معروض في متحف شرطة دبي.