جزيرة دلما

المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 2

 594 عدد المشاهدات

 

الكاتبة: مريم أحمد قدوري

دلما، جزيرة تابعة لإمارة أبوظبي في الإمارات العربية المتحدة، تقع على الجانب الغربي من منطقة الخليج العربي، وتتربَّع على مساحة تبلغ 45 كلم²، بيضوية الشكل تسودها تلال مرتفعة يسميها سكان المنطقة “جبال”، ذات أحجار يتراوح لونها بين الحمرة والسواد، أمَّا منخفضاتها فهي ذات تربة صالحة للزراعة، تمَّ تشجيرها بعد أن كانت جرداء قاحلة، وبعد أن تمَّ توفير المياه العذبة لها عن طريق حفر آبار عميقة أسهمت في تغيير ظروف الحياة والطبيعة فيها.

كان للجزيرة- سابقاً- شهرةً في الغوص على اللؤلؤ، حيث كانت تتوسَّط مواقع عدة للمغاصات (الهير) في الخليج العربي، أمَّا في السنوات الأخيرة فقد أصبحت حرفة صيد السمك هي المورد الأول لسكان الجزيرة الذين يبيعون أسماكهم في مدن الدولة المختلفة.

تحتوي الجزيرة على جزء مهم من التراث العمراني في دولة الإمارات، إلا أنه لا توجد نصوص مكتوبة ولا شواهد أخرى بارزة لتلك المباني التراثية، وبالتالي لا يمكن تحديد تاريخ محدد لفترة بنائها، ولكن يمكن الاستدلال على أنَّ المباني في تخطيطها عربية إسلامية. ويفيد تخطيط بناء بيت المريخي، الذي يتمثَّل بالإيوان وعلى جانبيه غرفتان، ويعود لفترة البناء الحيري المشهور في سامراء العباسية، وتبدو الأصالة واضحة بهذا التخطيط.

أمَّا تخطيط المساجد، ففي ضبط اتجاه قبلتها، وبناء محرابها المجوف الذي يعتمد على الأسس دلالة واضحة على أنَّ ذلك التخطيط عربي إسلامي، فهي ليست مباني سابقة تحوَّلت إلى مساجد. وعلى ضوء هذا الاعتبار فإنَّ تخطيط المحراب وبيت الصلاة والظلة والصحن وموقع الميضأة جانبيًّا، كلُّها معالم تكشف بشكل واضح عن أصالتها.

وقد تمَّ تحليل العناصر المعمارية كالجدران، الأبواب، الشبابيك، الملاقف الهوائية، الأعمدة، الدعائم، الجسور الرابطة، التسقيف، السطوح، وكذلك الحنايا وشكل العقود المدببة والمفصصة والزخارف المستخدمة، خاصة الأشرطة الزخرفية في بيت المريخي أو المساجد للأقسام العليا، أو الزخرفة المحفورة مع اختلاف شكلها وأحجامها ومواقعها، وكذلك فوق محراب مسجد الدوسري.

المباني الدينية التراثية في الجزيرة كالمساجد، والمدينة كبيت المريخي (مركز اللؤلؤ) والمدابس، تعود جذورها وأصولها للفن العربي الأصيل، مع وجود التأثير المحلي لبيئة ومنطقة الخليج. فبعض عناصرها تلبي وتؤدي الحاجة المحلية وظروفها تنسجم مع تلك المقومات لحالة الجزيرة، وتتفاعل مع الحضارات المتوارثة والأصيلة لمنطقة الخليج العربي عامة، ومنطقة الجزر بالخليج لسواحله الغربية، وظهرت بناتج محلي معبِّر عن صدق الحضارة العربية الإسلامية ذات السمات الخليجية، وبروحها الإنسانية في تقديم العطاء للحضارة العالمية كجزء من مجهود بشري ناضل وصارع الطبيعة، وسخَّرها لخدمته وخدمة العالم أجمع.

وعلى ذلك يمكننا القول بأنه من العسير تحديد التاريخ الدقيق لمباني جزيرة دلما، ولكن يمكن تقدير الفترة الزمنية التي تعود لها إلى ما قبل (160-200) سنة من الآن، وهذا ما دلَّت عليه المسوحات الأولية التي أجريت في المنطقة، والتنقيب في بعض المناطق عن وجود قطع أثرية يمكن أن تعود إلى الألف الأولى قبل الميلاد، ممَّا يؤكد وجود استيطان وسكن لجزيرة دلما في عصور قديمة. وقد يكشف مستقبل الأبحاث عن أمور وخبايا تفيد في تحديد تاريخ وهوية جزيرة دلما.

أول المصادر المعتمد عليها في تحديد تاريخ جزيرة دلما، هو نتائج التنقيبات التي أجرتها البعثة البريطانية؛ إذ ذكر هيلير في تقارير التنقيبات عن وجود كسر فخارية ترجع إلى عصر العبيد، كما يفيد بأنَّ سكان جزيرة دلما من صيادي الأسماك، أما الأدوات المكدسة فوق بعضها فهي دليل على استمرار الاستيطان. وقد نُشِرَ في المجلات والصحف المحلية في الإمارات أخباراً تبشِّر بوجود سكن يعود للألف الأولى قبل الميلاد، وتوضِّح أنَّ جزيرة دلما كانت حلقة وصل للطرق البحرية للسفن التي تسير على السواحل الغربية للخليج العربي. وعلى ضوء ذلك يمكن اعتبار جزيرة دلما محطة وميناء للسفن، للخط البحري من البصرة، الكويت، سواحل السعودية، البحرين، قطر، أبوظبي، وموانئ دولة الإمارات العربية المتحدة.

كما ورد في كتاب الحضارة الدفينة أيضاً أنَّ جزيرة دلما قادرة على تنظيم رحلات صيد الأسماك، ومقايضة السلع مع التجار القادمين من بلاد ما بين النهرين، ويذكر ياقوت في معجم البلدان مواقع في الساحل الشرقي لجزيرة العرب  فيقول: وأخذ البحر في ذلك الموضع مغرباً، مطيفاً ببلاد العرب منعطفاً عليها، فأتى منها إلى سفوان وكاضمة إلى القطيف، وهجر أسياف البحرين وقطر وعمان والشحر ومال منه عنق إلى حضرموت.

ونميل للاعتقاد بأنَّ جزيرة دلما لا تخلو من مواقع إسلامية، ويفيد المسح في العثور على فخار إسلامي في موقع جبل “أبوعمامة” أو مواقع أخرى، وتظهر بعض مواقع آبار قديمة، حيث كانت الجزيرة، تزود الصيادين بالماء والغذاء، ولا يزال أثر بعضها بارز. ووجود المدابس (إنتاج الدبس) برهان واضح بأنَّ جزيرة دلما كانت محطة وميناءً تجاريًّا في منطقة الخليج.

وقد ارتبط النشاط التجاري في منطقة الخليج مع جميع الدول المجاورة كالأنباط والتدمريين، وكذلك أهمية الاتصال ما بين النهرين بالخليج قديماً، ويمثله استيراد النحاس من منطقة الخليج منذ عصور ما قبل التاريخ، واستمر في العهد السومري، وخاصة الاستيراد من منطقة عمان التي ورد اسمها في المصادر السومرية باسم (مجان)، وورد اسمها في أخبار الملوك الأكديين، كما ورد اسم (دلمون) وهي جزائر البحرين، وخاصة فيما ذكره الملك الأكدي سرحون الثاني. كما ذكرت المدونات أنَّ هذا الملك استورد سفناً من (مجان) و(دلمون)، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أنَّ هذين المكانين في الخليج قد كان لهما شهرة في صناعة السفن منذ قديم الزمان.

ولهذا، فالتواصل الحضاري مستمر نتيجة استمرار السكن والعيش في جزيرة دلما، وقد اختلف مصدر النشاط الاقتصادي من صيد اللؤلؤ سابقاً إلى صيد الأسماك والزراعة حاليًّا.

ومن حسن حظ الجزيرة ومبانيها التراثية، أنها بقيت محافظة على تخطيطها وعناصرها، لم يتجاوز عليها أحد ولم تتغيَّر، لبعد الجزيرة وصعوبة الوصول إليها، وهذا ما جعلها تحتفظ بمبانيها الشاخصة وتراثها المعماري. وقد تمَّت أعمال الترميم والصيانة ضمن خطة علمية، ومتابعة عملية لمجرى سير تنفيذ خطة العمل، دون تشويه أو زيادة أو حذف لمعالمها، بل كانت الجهود تنصب على الأمانة العلمية، للحفاظ على الموروث المعماري، ودقة تنفيذ ترميمه وصيانته بالروحية السابقة وبالمواد الأولية. فيما تمَّ تنفيذ أعمال الترميم والصيانة للمباني التراثية في جزيرة دلما ضمن الخطة، وأهم نقاطها ما يلي:

– أعمال التوثيق للمباني وتشمل: التصوير ملون، تصوير شرائح ملونة (سلايد)، مخططات، مقاطع، جمع معلومات، خرائط البلدية، نصوص مكتوبة، مصادر ومراجع، ومعلومات من الأهالي.

– تقليم الأشجار لبيت المريخي، وكذلك مسجد القبيسي (المهندي) في الجانب الشرقي.

– رفع السقوف لغرفة الطابق الأول لبيت المريخي، كذلك بقية السقوف بطريقة رفع الأجزاء تباعاً (كشط، تنظيف، ترميم الخشب).

– فحص الأسس من الخارج للمباني الواحدة بعد الأخرى، ويشمل جميع المباني المطلوب ترميمها، بعد إنجاز الترميم (بناء للأسس المتآكلة، حقن، ربط، تكحيل، طلاء). ردم ودفن أخدود الأسس الخارجية حسب المستوى المطلوب بعد معرفة الأرضية الأصلية.

– تنقير وكشط وإزالة التجاوز عن الجدران من الخارج.

– رفع الأبواب والشبابيك لكل مبنى منفرداً بعد ترقيم وضبط الموقع، لمتابعة ترميمها ومعالجتها.

– الربط (الخياط) للتشقق والتصدع للجدران بأسلوب الجندل بعد معالجته ضد التسوس مع الحبل والحجر والجص.

– الحقن وسكب سائل الجص للفراغات بعد تنظيفها مشتركاً مع جميع الأعمال في الترميم.

– الترميم وسد وغلق الفتحات المتجاوزة، أو بناء الجدران الساقطة وتشمل ضبط استواء الجدران ومقاسات السمك ومادة البناء، الدقة في تحديد أشكال الحنايا الداخلية والخارجية، الملاقف الهوائية، إعادة تركيب الأبواب والشبابيك الجاهزة، تركيب أخشاب السقوف (جبدل، بانبو، حصير من السعف والقصب) باستخدام مواد مانعة للتسوس، ضبط الانحدار للسطوح بعد إنجازها، وتثبيت مواقع المرازيب الخشبية، الطلاء الجصي للمباني؛ الخشن من الخارج والناعم من الداخل.

– دراسة موضوع إدخال القوة الكهربائية والأسلاك.

– معالجة طريقة التكييف والإضاءة الداخلية والخارجية وتوزيعها ونوعها.

– الماء وضبط سير خطوطه الخارجية وإدخاله إلى الوحدات السكنية أو المساجد.

– ضبط استواء أرضيات المساجد والبيت الداخلية، وأسلوب توسيع الجص بعد الحجر (المدابس، الإيوان، الفناء والصحن).

– أمَّا الساحة حول المباني فيفضَّل عمل طريقة الحدل مع ضبط الحالة؛ إذ يجوز استخدام الطابوق (الأنترلوك) في رصف الأرضية الخارجية، أو حسب توجيهات المسؤولين.

كانت هذه الترميمات والصيانات لجزيرة دلما التي تعدُّ- حسب الباحثين- أقدم مستوطنة بشرية ساحلية في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي حظيت بالكثير من الاهتمام من قِبَل سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان وتوجيهاته الكريمة، والتي أعادت إليها معالم الجمال؛ فغدت ناطقة بهويتها الثقافية ودورها الحضاري الذي يستحق العناية والاهتمام.