دور الإمارات في ازدهار الخط العربي

مجلة مدارات ونقوش – العدد 4

 623 عدد المشاهدات

متابعة: خليل البري

قال الفنان والخطاط الإماراتي خالد علي الجلاف: إنَّ ازدهار الفنون بصورة عامة، وفن الخط بخاصة، يؤكّد قوة الدولة وعظمتها، وإن لدولة الإمارات فضلاً كبيراً في ازدهار فن الخط العربي وتطوره. ودعا الجلاف إلى عودة هذا الفن إلى مناهج التعليم، ليُدرَّس كفنٍّ بذاته، وليس ملحقاً بمادة اللغة العربية، مطالباً بالاهتمام الإعلامي به كفنٍّ قومي، وتخصيصه ضمن مناهج التعليم في كليات الفنون بالجامعات والمعاهد، وإنشاء مراكز لتعليمه في جميع أنحاء الدولة، وتأسيس متحف وطني للخط، وتنظيم مسابقات للخطاطين واقتناء الأعمال الفائزة تشجيعاً لهم، وتخصيص منحٍ للراغبين في تعلُّمه وإتقانه.

جاء ذلك في جلسة استضافها مركز جمال بن حويرب للدراسات في مقره الجديد بالجميرا، في إطار برنامجه الثقافي والأدبي، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على أهم القضايا الفكرية والأدبية والثقافية التي تهمُّ المجتمع. بحضور أحمد الجميري، وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ومدير عام هيئة الصحة في دبي (سابقاً)، والشاعر والباحث الدكتور شهاب غانم، والدكتور خالد الوزني المستشار في مؤسَّسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، وعدد من الصحافيين والإعلاميين والباحثين؛ منهم الإعلامي والخطاط محمد أبو عبيدة من قناة العربية.

وقد رحَّب الباحث جمال بن حويرب، رئيس المركز ، والمدير التنفيذي لمؤسَّسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، بالمحاضِر والحضور قائلاً: إنَّ المركز قد اختار هذا الموضوع نظراً لأهميته في بناء حياتنا الثقافية والمعرفية، ولأنَّ كثيراً من الناس يجهلون دور الدولة وجهودها في الارتقاء بمستوى فن الخط العربي، وازدهاره، ولأنَّ البعض يقول: أنتم في دولة الإمارات العربية المتحدة تهتمون بالبنيان والعمران، حتى بلغتم عنان السحاب، لكنكم لا تهتمون ببعض الجوانب الثقافية والتراثية، مثل فنِّ الخط العربي على سبيل المثال.

وأضاف.. لكن الحقيقة سيذكرها شاهد ورائد من أهل هذا الفن، أخي الأستاذ خالد علي الجلاف، رئيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي، ونائب رئيس تحرير مجلة «حروف عربية» المتخصصة في مجال الخط العربي، وهو الذي عاش شغوفاً بالرسم وفنِّ الخط العربي، ونظَّم لذلك أربعة معارض شخصية، ومعرضاً في جامعة الشارقة.

دولة قوية .. خط مزدهر

قال الجلاف: عندما أتحدَّث عن فنِّ الخط العربي، أجد نفسي أتحدث عن ذاتي وعن تاريخ كل منَّا؛ فقد كان اهتمامي بالرسم وفن الخط العربي منذ الصغر، وكلما كبرت، كبر اهتمامي بهذا الشغف الذي بات جزءاً من حياتي، بل حياتي كلها، وأصبحت شاهد عيان على ازدهار هذا الفن ورقيه في الدولة، نتيجة اهتمام كثير من الناس وكبار المسؤولين وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله”، وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حيث حرصا على تقديم كلِّ ما من شأنه الارتقاء بهذا الفنِّ إلى مصاف عالمية.

وأكَّد الجلاف أنَّ الدولة كلما كانت قوية وعظيمة، كان الفن بصورة عامة، وفن الخط بخاصة، في موقع من الازدهار والرقي.

ودولة الإمارات منذ نشأتها، دعمت بسخاء الفن والفنانين، وخاصة التشكيليين والخطاطين.

وتحدَّث الجلاف عن تجربته في الخطوة الأولى، وتعلُّم قواعد الرسم من الأستاذ عبدالقادر الريس الذي نصحه بالابتعاد عن الرسم، والالتزام بفن الخط العربي، حيث لم تكن هناك تقنيات حديثة.

البدايات الأولى

وذهب الجلاف إلى البدايات الأولى لنشوء الخط، حيث تقول روايات وقصص عدة إنها تبدأ مع الكتابة التي بدأت مع تشكُّل الدولة، حيث برزت حاجتها إلى التوثيق.

وقد مرَّت الكتابة تاريخياً بأطوار عدة:
– الصوري: عندما كان الإنسان يعبِّر عن حاجته بالرسم.
– الرمزي: حيث ترمز الشمس إلى النهار، والقمر إلى الليل، والأسد إلى الغابة والقوة.
– المقطعي: حيث تمثل أجزاء من منطوق الكلمة، إلى ما يريده صاحبها.
– الصوتي: إذ يعبِّر الحرف الأول من الكلمة عن كامل الكلمة، “حرف الغين يعني غزالاً”، و”حرف الكاف يعني كلباً”… وهكذا.

– الحروف الهجائية: حيث وُضِعَ لكل حرفٍ رمز؛ والسومريون هم أول من كتب بالأحرف المسمارية في بابل وآشور وما حولهما، لكن هذه الأحرف انقرضت لصعوبتها.

ثمَّ جاءت الأحرف في الدولة الحثية في بلاد الشام، وما لبثت إلا قليلاً واندثرت أيضاً لصعوبتها، تلتها الأحرف الفينيقية فالصينية والمصرية “الهيروغليفية”، علماً بأنَّ الفينيقيين كانوا تجاراً، وعندما زاروا مصر وجدوا أنَّ المصريين اكتشفوا الكتابة “الهيروغليفية” فأخذوا منها 15 حرفاً وضموها إلى خطوطهم، ثمَّ ما لبث الكنعانيون أن أخذوا من الفينيقيين. وفي اليمن راح الناس يكتبون بالأحرف النبطية، وقد اكتشف ذلك على قبر فهر بن سليمي.

وأضاف الجلاف: تبيَّن أنَّ الأحرف النبطية في اليمن شبيهة بكتابات أهل الحجاز، ولعلَّ هذا أمرٌ بديهي نتيجة “رحلة الشتاء والصيف” التي كان أهل قريش يقومون بها إلى اليمن. ويعدُّ الخط القرشي والمكي والمدني والحجازي أقدم الخطوط العربية. وقد طوَّر أهل الكوفة الخط الحجازي في فترة ما قبل البعثة المحمدية. وفي فترة الرسول صلى الله عليه وسلم، كان الصحابة يكتبون المصحف والأحاديث النبوية الشريفة بالخط الحجازي، والفضل يعود إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.

أمَّا الحجاج بن يوسف الثقفي فهو أول من نقَّط الحروف في القرآن الكريم، وأبو الأسود الدؤلي هو أول من شكَّل الحروف.

وضرب المحاضر مثلاً على ازدهار الخط العربي أيام الدولة الإسلامية في الأندلس والقيروان،  بازدهار حركة الترجمة، حيث كان يوجد نحو 6000 خطاط وناسخ في زمن عبدالرحمن الناصر، أمَّا في بلاد فارس فإنهم طوَّروا الخط العربي، لكنهم لم يبتدعوه ولهذا ليس هناك ما يسمى بالخط الفارسي ،هو خط عربي تم تطويره بلغتهم التي تشمل كثيراً من المفردات العربية.

الإمارات والخط العربي

قال الفنان خالد الجلاف: إنَّ كثيراً من الناس لا يعرفون فضل الدولة ودورها في ازدهار فن الخط العربي، فهل عرفت الإمارات الخط العربي أم لا؟

وأجاب: نعم، فقد وجدنا دلائل من الأجداد والآباء على وجود وازدهار الخط العربي، رغم انتشار الأمية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين؛ إذ كان هناك ثلاث جهات تتولى الكتابة لمن لا يجيدها من السكان، إضافة إلى تعليمهم قراءة القرآن الكريم، أولاها الكاتب أو “الكراني”، ثمَّ “المطاوعة”، وثالثها “الكتاتيب”. وقد اشتهر هؤلاء قبل وجود المدارس النظامية كالفلاح والأحمدية، في بدايات القرن العشرين، وقبل وصول البعثة التعليمية الكويتية التي كان لها فضل كبير في مسيرة التعليم وتطور الخط العربي بأشكاله المختلفة، حيث قد كان الشعراء والأدباء في منطقة الخليج العربي، وخاصة في الإمارات، يكتبون النصوص الشعرية بخط جميل ويكتبون المؤلفات والدواوين، أو بخط أيديهم أمثال الشيخ محمد عبدالرحمن بن حافظ، وحميد بن سلطان الشامسي، والشاعر مبارك العقيلي.

واستعرض الجلاف أسماء عدد من الخطاطين، الذين وفدوا إلى الإمارات، وكان لهم فضل كبير في تعليم خطاطي الدولة وفنانيها أصول فن الخط  العربي وأشكاله، أمثال نزار الدوري، وعلي ندا، ومحمد الموسوي الذي كان معلماً في مدرسة جمال عبدالناصر. وأكد أنَّ كلَّ هؤلاء هم تلاميذ هاشم البغدادي، أحد أكبر الخطاطين العرب.

وتطرَّق الجلَّاف إلى دور القطاعين العام والخاص في تطور وازدهار فن الخط العربي بدولة الإمارات، مؤكداً أنَّ لبعض المؤسسات فضلاً كبيراً في هذا المجال، ومنها: هيئة الثقافة في الشارقة، وندوة الثقافة والعلوم في دبي، حيث دعا رئيسها “آنذاك” الكاتب والأديب محمد المر، إلى إصدار مجلة، هي الأولى في الوطن العربي، تعنى بالخط العربي.. مجلة “حروف عربية” التي لا تزال تصدر بشكل دوري، إضافة إلى رعاية تنظيم مسابقة العويس للخط العربي.

وتطرّق المحاضر إلى دور المجمع الثقافي في أبوظبي، في رعاية وتطور فن الخط العربي من خلال الورش التي يقيمها باستمرار، حيث تمَّ تنظيم أول معرض للخط العربي في أبوظبي، وقد ضمَّ اللوحات الفائزة في مسابقة حامد الحامدي.

أما هيئة الثقافة والفنون في دبي، فقد نظَّمت معرض دبي الدولي لفن الخط العربي، بحضور ورعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله”.

وأشار المحاضر إلى اهتمام وزارة الثقافة وتنمية المجتمع بتطوير فن الخط العربي، ومساعدة الخطاطين والفنانين من خلال مسابقة “البردة” التي تقام في شهر رمضان المبارك بمشاركة نحو ثلاثين خطاطاً يعملون على كتابة المصحف الشريف بأشكال مختلفة لفن الخط العربي.

الشارقة والخط العربي

أشاد خالد الجلاف بدور وفضل حكومة الشارقة، ومؤسَّساتها في تطور وازدهار فن الخط العربي، بتوجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الأب الروحي للحركة الثقافية والأدبية في الإمارة خاصة، والدولة بصورة عامة، حيث خصَّص سموه نسبة من ميزانية الشارقة لدعم وتطوير الحراك الثقافي. كما أنَّ سموه يحرص على حضور كل الفعاليات والأنشطة الثقافية والأدبية في الإمارة، بما فيها تلك المتعلقة بفنون الخط العربي.

وأشار المحاضِر إلى برامج هيئة الثقافة في الشارقة التي تعنى بالخط العربي، والتي تمخض عنها معهد تعليم الخط العربي، وله فروع في جميع مدن الإمارة، وبينالي الشارقة للخط العربي. كما أنَّ الشارقة خصَّصت مركزاً لتعليم فن الخط العربي. وهناك مشروع “كتاتيب” الذي تعمل الهيئة على إنجازه، ولعلَّ متحف الشارقة هو الوحيد الذي يهتم بالخط العربي.

وذكر دور جمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة، والتي تأسَّست قبل نحو أربع سنوات، بموجب مرسوم من صاحب السمو حاكم الشارقة، الذي وجَّه المسؤولين بإشهارها قبل اكتمال أوراقها الثبوتية.

مشاريع ومعاناة

كشف الجلاف النقاب عن تنظيم معرض لفن الخط العربي في الشارقة، (عُقِدَ في شهر إبريل 2018) وكان بعنوان “جوهر زايد الإنسان” وشارك فيه نخبة من الخطاطين والفنانين الإماراتيين والعرب. كما أكدَّ  أنَّ دبي تحوي من المعارض والغاليريات، ما يفوق أمثالها في الوطن العربي. وضرب مثلاً في دمشق، حيث أقيم معرض واحد، وفي مصر معرضان، أمَّا في الإمارات فقد تمَّ تنظيم 14 معرضاً؛ ثمانية منها في الشارقة، وستة في دبي. وقال: إذا كانت اسطنبول اليوم سوقاً رائجاً لفن الخط العربي، فما ذلك إلا بفضل دولة الإمارات وأعيانها وفنانيها.

وعن المعاناة والعقبات التي تحول دون تحقيق المزيد من التطور والازدهار لفن الخط العربي، أكَّد الجلاف أنَّ ذلك يعود إلى إهمال المدارس تعليم الخط العربي، وإذا كانت خطوط طلابنا اليوم سيئة، فإنما بسبب أنَّ المادة لم تعد تدرَّس في المدارس.

وقد ذكر أنَّ من أسباب المعاناة وجود ازدواجية في المعارض والأنشطة المتعلقة بهذا الأمر، لكن أخيراً، برز نوع من التنسيق تقوده جمعية الإمارات لفن الخط العربي، ونأمل أن يكتمل هذا الدور ليؤتي أكله.

وقال: في كل دول العالم نجد أنَّ فنَّ الخط فنٌّ ذكوريٌّ ، أمَّا في الإمارات فإنه فنٌّ أنثويٌّ، ولعلَّ ذلك يعود إلى انصراف الذكور عنه بعد أن أصبحت الساحة تعاني من ترهل ونوع من الفوضى، علماً بأنَّ شهادة فن الخط في اسطنبول لا تُمْنَحُ إلا بعد مرور 8 سنوات من الدراسة.

واختتم الجلاف حديثه بعدد من العوامل التي ينبغي توافرها لإعادة فن الخط العربي إلى طريقه في الدولة:
– أن يعود الخط العربي إلى المناهج الدراسية.
– أن يُعَامَل إعلاميًّا كفنٍّ قوميٍّ ، وأن تقوم وسائل الإعلام بدورها على هذا الأساس.
– إضافة مادة “فن الخط العربي” إلى المعاهد والكليات في الجامعات، كمقرر دراسي.
– إنشاء مراكز لتعليم فن الخط العربي في كل إمارات الدولة، أسوة بإمارة الشارقة.
– إنشاء متحف وطني لفن الخط العربي، كما في اليابان والصين.
– إقامة مسابقات تشجيعية للخطاطين والفنانين الإماراتيين، وقد بدأنا الخطوة الأولى من خلال معرض “زايد الإنسان”.
– تخصيص كرسي أو منحة لتعليم الطلبة الراغبين في تعلُّم فن الخط العربي.

فضاء الإنترنت 

وفي نهاية الجلسة، تحدَّث الباحث جمال بن حويرب قائلاً: أرى أنَّ فنَّ الخط العربي ينبغي أن يخرج إلى العامة، وينتشر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وأن نشارك به في المعارض الدولية، وإلا فإنَّ هذا الفنَّ سيظلُّ يراوح مكانه، كما ينبغي مشاركة القطاع الخاص في نشر وتطوير هذه القضية الوطنية، كأن تُفْتَح المجالس والمراكز من قِبَل مؤسَّسات القطاع الخاص، مساهمة منها في ازدهار ورقي فن الخط العربي.