قصائدي في حب الخيل

الإمارات الخيول العربية المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 15

 1,462 عدد المشاهدات

خاص مدارات ونقوش

بفخامة وأصالة وتميز يتلاءم مع الشخصية الاستثنائية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، صدر الديوان الشعري الذي حمل عنوان «قصائدي في حب الخيل» لسموه، في حلة تنعكس على جميع تفاصيلها رؤيةُ صاحب السمو وفكره الرائد ورؤيته التي تخرج عن المألوف وترنو إلى التميُّز حتى في أدق التفاصيل. هذا التميُّز الذي يظهر جلياً في مسيرة بطل الإنجازات وصاحب الأرقام الأولى التي لم يرضها لنفسه فحسب، بل كانت رؤيته لشعبه الذي سعى ويسعى وسيظل يسعى للتألق والتميُّز في جميع ميادين الحياة، فضلاً عن ميادين سباقات الخيل التي اعتاد سموه أن يكون المستأثر بمنصاتها الأولى دوماً.

 

 

ولعلَّ المتبحر في كتاب سموه «قصتي» يستشفُّ مدى المشاعر الفيّاضة التي امتلأ بها سموه حباً للخيل، عشقاً لا تملؤه وتعبّر عنه وريقات قصتين احتواهما كتاب تجاربه الرائع. فجاء هذا الديوان ليجمع بين دفتيه ما حفل به مخزون الأدب الشعري لسموه من أحاسيس تجاه الجواد العربي الأصيل.

فسموه يكتب قصائده بقلم الشاعر الفارس المعتز ببطولات أجداده، القارئ المطلع على أمجاد العرب الذين سطّروا على صهوات الخيل أمجادهم وأصبحوا مضرب المثل في العزة والكرامة والانتصار، بل وأضحت كرامة الخيل مرتبطة بهم في كل العالم، ليكون «الجواد العربي» صاحب الصدارة والنسل الطيب الذي يلتمس فرسان العالم على ظهره الفخر والاعتزاز وكؤوس البطولات.

براعة استهلال

بدءاً من الغلاف يتجلّى للقارئ عناية سموه بالتفاصيل التي توحي جلياً بالخروج عن المألوف، حتى في التصميم، من خلال الربط الذي انتقاه سموه لصفحات الديوان، بخيوط توحي بالمضمون، تلك الخيوط المجدولة التي نتصوَّر من شكلها لجام الفرس، وتذكِّرنا ببراعة الاستهلال التي عكف عليها المؤلفون الأوائل في مقدماتهم لكتبهم، بيد أنَّ براعة سموه الاستهلالية كانت لا بدَّ أن تتشرّب من دأب سموه على التميُّز حتى في أدق التفاصيل. وهذا الإتقان والفرادة في الخروج عمّا ألفته دواوين الشعر يتجلّى في كامل صفحات الكتاب والصور التي حفل بها.

يعود بنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في مقدمة ديوانه إلى عبارته الرائعة التي تزيّنت بها مطالعتنا لكتاب سموه «قصتي» في أحد أعدادنا السابقة، وهي قول سموه: «علّمتني خيلي الأولى أنَّ الإنجاز لا يأتي على طبق من ذهب… تعلّمت من خيلي أنه عندما تحب شيئاً واصل فيه حتى النهاية.. عندما تريد إنجازاً أعطه كلَّك، لا تعطه بعضك، إلا إذا كنت تريد نصف إنجاز أو نصف انتصار».

عالمية دبي

ومن بديع ما نلحظه في الديوان افتتاحه واختتامه بكأس دبي العالمي، وفي هذا إشارة رائعة إلى النظرة العالمية التي يتطلع من خلالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى مركزية «دانة الدنيا» ووصول إنجازاتها إلى العالمية، وهذا- لعمري- اختيار موفّق وذكي، نستشفُّ من خلاله مدى العناية والإتقان اللذين أسبغهما سموه على اختياراته حتى لجماليات الشكل وترتيب القصائد.

وقد جمع لآلئ هاتين القصيدتين خيط الترحيب بالضيوف الكرام على أرض المحبة والسلام، دولة الإمارات العربية المتحدة، وإبراز قيمة كأس دبي العالمي بين الكؤوس العالمية، وأنه تاجها والمتربع على عرش السباقات الدولية التي ترنو إليها أنظار الفرسان، وتتطلع إلى المشاركة فيها أعرق إسطبلات العالم. كما لا يخفي سموه فيهما أوجه التشابه بين دبي وكأسها العالمي، حيث تشبَّعَ من مكانتها وأصالتها كل تفرّد وتميّز.

 

 

فارس أصيل

كم يفخر الأب عندما يخطو ولده خطاه وينحو نحوه في الدأب نحو العلا والرقي نحو المعالي، وهذا الشعور لا يخفيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تجاه نجله وولي عهده الأمين سمو الشيخ حمدان بن محمد، إذ يوجه إليه رسائل أدبية راقية في صور شعرية، ويخصِّص له طائفة من خطابه الشعري الراقي؛ فهو الفارس نجل الفارس، الذي أخذ من والده طيب الشمائل وجميل الأوصاف، فكان على درب والده في النجاح والتفوق وحب الخيل. ففي قصيدة «يا سهمي  الرابح»، يقول سموه:

إنته على ذوقي رسمتك معاني

     وعوّدتني (حمدان) تحقيق الامال

إنته عليك إذا أراهن رهاني

     يا سهمي الرابح على كل الاحوال

مبروك يا (حمدان) أغلى التهاني

      والخيل بك تفرَحْ وتفخَرْ وتختال

أما قصيدة اليمامة، التي أبدعها سموه بمناسبة فوز سمو الشيخ حمدان بن محمد ببطولة العالم للقدرة، واعتزال اليمامة، فيستقصي فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ما انعكس من الصفات الطيبة والفضائل السامية منه على نجله سمو الشيخ حمدان.

عادتك مثلي إذا حان الرهاني

     كل من راهن عليك إتجملهْ

وعادتك مثلي إذا احمر السناني

     كنت إنته الحل له والمشكله

وعادتك مثلي إذا ما والوقت شان

     تكتم أنفاس الخطوب المجبلهْ

 

شمائل الفرسان

لقد جمعت قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم معاني الفخر والاعتزاز العربي بصهوات العاديات، وصولاتها وجولاتها في ميادين النصر، دون الانفكاك عن أخلاق الفرسان التي ملكوا بها قلوب الناس وأصبحوا محطَّ أنظار المعجبين بهم، فليست الفروسية في نظر سموه وفكره مجرد قوة شكيمة ونصراً على المنافسين، بقدر ما يكتنف صاحبها من معاني الشهامة والكرامة والشمائل السامية التي ترقى به بين الناس، حتى يكون معروفاً بخلقه وسمته قبل أن يكون معروفاً بنصره واقتحامه بجواده إلى خط النهاية في السباقات قبل الآخرين. وهذا، في رؤية سموه، هو الفارس الحقيقي الذي يستحق أن يأخذ مكانه بين الفرسان الشجعان، وليست الفروسية مجرد إتقان لامتطاء صهوة الخيل، ولا حتى مجرد الانتصار غفلاً عن الشمائل الراقية التي يتحلّى بها الفارس.

ففي قصيدته «فراسة وفروسية» يجوب سموه في رحلة وصفية في عالم الخيل، معبراً عن مدى تعلقه بهذا المخلوق الراقي، الذي تعجز عبارات الخطباء عن وصف أصالته ومنزلته على مدى العصور،

 

بأبيات لا يغيب عن قوافيها التشبيهات البيانية الساحرة التي حفلت بها أشعار سموه، ليشكّل منها قلادة مرصَّعة بلآلئ العبارات، بأسلوب شعري رائع وأنيق. غير أنَّ هذه القصيدة تميَّزت بالروح الفلسفية التي يسيح من خلالها شاعرنا الكبير في عالم الخيل، ولكن بنَفَس الفلاسفة، وليس أدلَّ على ذلك من تعبير سموه عن عجز الخطباء عن إيفاء الجواد العربي حقه من الوصف، بإتيانه بالخطيب الذي عرف عنه خطبه الفكرية والتأملية، وهو قس بن ساعدة الإيادي.

إسـجـعي يــا الـقـصايدْ بـالجديدْ الـغريبْ

     مــنْ شـريـفْ الـمـعاني واصـلـهْ لـلكمالْ

مــنْ عـجـيبٍ مـصفَّىَ مـا لـمثلهْ ضـريبْ

     فــوقْ حــدِّ الـظـنونْ وفــوقْ حَـدْ الـخيالْ

 

 

مشاعر فارس

وفي قصيدة سموه «خيل الليالي»، يعزف سموه على أوتار الفكر العميق، مستنهضاً الأفكار ومُلجئاً القارئ إلى تأمل السطور وما وراءها، لتتكلم المشاعر والأحاسيس وتأخذ مكانها في نفس المتلقي، ويكون لخطاب الروح كلمته الأولى، وذلك بما اكتنزته القصيدة من سحر البيان ورقي المعاني. بحيث يختصر سموه فيها سمات الحق الذي لا يكدره باطل، وشمائل أهله الذين يستمسكون به رغم كل الظروف الصعبة التي تواجههم، فالحقُّ أحقُّ أن يتَّبع، وهو السبيل الذي لا يحيد عنه أهل المروءة والشهامة مهما كان وفي أيِّ زمان.

     مـتـوقِّـفهْ خــيـلْ الـلـيالي عـلـىَ الـبـابْ

أســمَـحْ لــهـا وإلاَّ أســـوقْ إعــتـذاري

     والـوقتْ مـتلوِّنْ مـثِلْ بـعضْ الأصـحابْ

لــي ظَــنْ نـفـسهْ كـاسيْ وهـوهْ عـاري

 

تطلعات قائد

أمّا قصيدة «حلبة سباق»، فإنها تأخذنا إلى منحى آخر من أساليب سموه الرائعة في اختياراته الأدبية، إذ يصف فيها تعلُّق سموه بحلبات السباق ومنصات التتويج، وتتلاحم فيها مشاعر التطلُّع إلى المراتب الأولى مع تعريض سياسي لا يخفى، يبرز جلياً اهتمام سموه بأحوال الأمة العربية، بحيث لا يفتأ متطلعاً إلى هموم الأشقاء، حتى مع تطلُّعاته إلى المزيد من الإنجازات والريادة، وهذا دأب القائد المسكون بهموم أمته والعالم أجمع.

تـشــتـعِـــلْ في خــافــقــي نـارْ إشـتــيــاقْ

     مِـنْ لــظـاهــا دقِّــتـهْ صـعـبـهْ الخــفـوقْ

مـــا يـطـــفِّـيــهــا ولُــو طـــالْ الــعـــنــــاقْ

     في ضــمـيـري مِــنْ لــهــايــبــــها حـــروقْ

 

رفيق الدرب

ومن خلال تلك الروائع الشعرية يتعرَّف القارئ إلى مشاعر الأخوة التي فاض بها قلب فارس العرب تجاه أخيه الشيخ مكتوم بن راشد، بعث بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لأخيه، تنبض بمشاعر الحب والاحترام والتبجيل التي فاضت منها تجاه الأخ والصديق ورفيق درب الانتصارات والإنجازات، في قصيدة «الفوز والناموس».

 

الفوز والنّاموس لك والسياده

     وكل الفوارس أنت وحدك بَطَلها

يا بو سعيد أنت الشرف والرّياده

     وِبْلادنا شوفك رَجَاها وأملها

 

المركز الأول

وهكذا فإنَّ القارئ يمتطي جواد الشعر من خلال ما جمعه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في ديوانه البديع، ليطلع في طيات أوراقه المصممة تصميماً خارجاً عن التقاليد الطباعية على نظرات سموه إلى رفيق النبلاء في حلهم وترحالهم، وصديق الإنسان الوفي عبر العصور والأزمان، فمن كأس دبي العالمي إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث يسبق سموه الحدث ثمة بمشاعر الفارس الشاعر قبل حلول وقت السباق، ويستنفر البلاغة والبيان الشعري المستكن في نفس سموه في البوح عن مشاعر الحب الذي استقر في قلبه للمركز الأول والنصر. فإنْ تطلَّعَ غيره إلى المركز الثاني، فإنَّ له نفساً توّاقة دائماً إلى المراكز الأولى التي لا يرضى عنها بديلاً. ومن أجمل ما نقرؤه في ذلك قول سموه:

ومن كان يرضى ينال المركز الثاني

     غيري وأما أنا أحب الأول دوم

ما أرضى بغيره وهذا طبعي وشاني

     عليه ماخذ وصية جدنا مكتوم