لأنهم يؤمنون بأنّ مشروعهم وطني.. إماراتيون يحوّلون بيوتهم إلى متاحف

الإمارات الكتاب مجلة مدارات ونقوش - العدد 3

 606 عدد المشاهدات

تحقيق: مريم أحمد قدوري

قليل هم الذين لا يزالون يتمسَّكون بتراث الآباء والأجداد، ويحتفظون بالكثير ممَّا ترك لهم؛ لأنه ولسبب بسيط، يتذكَّرون به الماضي الجميل، ويحنون إلى رائحة الآباء والأجداد. ورغم أنها تكلِّف الكثيرَ من الجهد والمال، ولا تحظى بأيّ دعمٍ سوى الدعم الشخصي لمحبيها، إلا أنَّ هذا لم يكن عائقاً في إقامة المتاحف الخاصة في دولة الإمارات، إذا كان هذا ما قام به عدد من المواطنين الإماراتين الذين أبوا إلا أن يجتهدوا ويبرزوا جزءاً من تاريخ هذا البلد الأصيل، وقاموا بتأسيس متاحف خاصة تجمع في زواياها الكثير من الأشياء النادرة والنفيسة والعريقة. بدأ أغلبهم بتخصيص جزء من البيت لهذا المشروع الذي اعتبروه مبادرة وطنية، فمنهم من استطاع مع الوقت أن يؤسّسَ متحفاً خاصًّا بعيداً عن البيت ومفتوحاً للزوَّار، ليقول: “أنا ابن الإمارات، وللإمارات حق علينا في التنقيب عمَّا ضيَّعه الزمن عنَّا وما أتلفه التطور العمراني وحياة الحضر” ومنهم من لم يستطع بعد.

وفي هذا التحقيق استضفنا عدداً من ملَّاك المتاحف الخاصة في دولة الإمارات.. تابعوا معنا هذا الحوار:

السيد عبد اللطيف الصيعري مؤسّس ومالك متحف الصيعري التراثي في إمارة أبوظبي، افتتح متحفه الخاص رسميًّا سنة 2015، وقد حضر الافتتاح وفدٌ من الإعلاميين والشخصيات البارزة، وأنشأ الصيعري المتحف في ركن خاص بمنزله من أجل أن ينمّي هواية الأجداد وتراث الإمارات العريق.

يقول الصيعري: إنه من أيام طفولته بدأ يجمع أشياءه الخاصة، ولا سيما المتعلّقة بمرحلة دراسته الابتدائية، واحتفظ بها داخل صناديق سنوات عديدة، وبعدها بدأ يسافر، وكلما صادف في رحلاته شيئاً تراثيًّا، اشتراه. وبدأ الطموح يكبر معه شيئاً فشيئاً، وأصبح يذهب إلى المزادات، ويبحث في أصول القطع وتاريخها، وعندما يتأكَّد من قيمتها يشتريها بأيّ ثمنٍ كان. ولما كثرت لديه المقتنيات، ولم تسعها الصناديق، قرَّر أن يؤسّس متحفاً خاصًّا في بيته، بعد أكثر من 15 سنة تجميع وبحث، ليكون ما صنعه مرجعاً لأبناء الإمارات حتى يتعرَّفوا ماضيهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولا سيَّما أنه قرَّر أن تكون مقتنيات متحفه تراثية بحتة.

وأضاف الصيعري أنَّه اهتم بالأشياء المصنَّعة باليد التي انقرض صُنَّاعها، مثل الخناجر والدلال وغيرها من الأشياء التي صنَّفها لأقسام في أرجاء بيته، وكانت الأقسام كالتالي:

– قسم التعليم: يحتوي على أغلب المناهج والكراسات والدفاتر النادرة من فترة ما قبل الاتحاد، والتي تحمل صور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، وصور المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، وكذلك الحقائب والأدوات المدرسية القديمة.

– قسم الطواش: وفيه عرض لحياة الغوص وصيد اللؤلؤ من موازين، مفالق وبشتخته وغيرها.

– قسم القلاف: وفيه معدات صناعة السفن القديمة من أخشاب ومسامير قديمة وغيرها.

– قسم الحلاق: فيه جميع أدوات الحلاقة التي كانت تستخدم قديماً.

– الدكان: وهو مكان يشبه الدكاكين في صورتها التقليدية، وفيه العصائر والمواد الغذائية والحلويات وهدايا الحج والأواني المنزلية.

– قسم العكوس: مخصَّص للكاميرات السينمائية الخشبية القديمة بجميع أنواعها، وبعض من آلات التصوير.

– قسم معامل القهوة: فيه الدلال ومحامص البن وطواحين القهوة والفناجين القديمة النادرة التي تحمل صور الشيخ زايد ما قبل الاتحاد.

– قسم الرجل: يحتوي على الملابس الرجالية والأحزمة والمكاحل والسيوف والخناجر وغيرها.

– قسم المرأة: فيه الأزياء النسائية والعطور والحلي، وفيه مقتنيات طفلها من مهد وألعاب وملابس.

– قسم العملات: وفيه العديد من العملات التي استخدمت قديماً في الإمارات مثل الروبية الهندية، عملة قطر ودبي، الدينار البحريني، والعملة الإماراتية التي تمَّ إصدارها لأول مرَّة في سنة 1971، وعملات أخرى من الفضة والنحاس وأخرى ورقية.

– قسم الأجهزة الإلكترونية: من تلفزيونات وراديوهات.

– قسم ألعاب الأطفال: وفيه الألعاب اليدوية التي كان يصنعها الوالدان لأبنائهم، وألعاب أخرى قديمة بما فيها الإلكترونية.

– المطبخ القديم: ويحوي القدور والصياني والحجريات والفخاريات والأباريق والسعفيات وغيرها من الأشياء التي كانت تستخدم قديماً في الطبخ.

– قسم خاص: وهو عبارة عن مجلس فيه محتويات القهوة الشعبية.

وحاليًّا أعمل على تجهيز قسم جديد يحتوي على السيارات الكلاسيكية والدراجات القديمة ودراجات الأطفال.

هذا ويضيف الصيعري أنَّ تجميع هذه المقتنيات التراثية النفيسة لم يكن بالشيء السهل، بل إنه بذل الكثير من الوقت والجهد والمال لشرائها، كان مجهوداً خاصًّا به؛ إذ إن 80% من مقتنيات المتحف هي من المشتريات، و15% مقتنيات خاصه به جمعها منذ كان صغيراً، و5%هدايا من الأصدقاء، لكن كدعمٍ حكومي لم يتحصَّل على أي شيء، بل هو محتاج إلى دعمٍ ماديٍّ يتمثَّل في قطعة أرض كبيرة، لينقل متحفه الخاص هناك ويوسعه أكثر، ولا سيما أنه لن يتوقَّف عن جمع الأشياء التراثية وحفظها في متحفه الخاص، ويضيف قائلاً: أنا موظف ودخلي محدود، أستقطع شهريًّا مبلغاً لدعم متحفي، أُقصّر في نفسي، لكن لا أُقصّر مع أبنائي ومتحفي، وسعادتي عندما أراه يكبر ليكون مرجعاً للزوَّار والسيَّاح وطلبة المدارس.

ويختتم الصيعري كلامه بقوله: تأثرت منذ سنين بمقولة والدنا وقائدنا زايد (من ليس له ماضٍ فلا حاضر له ولا مستقبل)، وجعلتها نبراساً للمتابعة والبحث، وللمحافظة على التراث للأجيال القادمة، وأنا في طريقي لكي أُعلّم أبنائي كيفية الحفاظ على أشيائهم وتجميعها، والقيام بما قمت به، بل وأحسن في المستقبل القريب إن شاء الله.

وروى لنا السيد أحمد خميس محمد قيدوه الشحي قصته الجميلة وقال: كنت منذ سنوات مدير علاقات عامة في جمعية الشحوح في أبوظبي، وكان بعض الزملاء يعلمون أنني أمتلك بعض الأشياء التراثية، فاقترحوا عليَّ أن أُخصّصَ لها مجلساً في رأس الخيمة،  وكان أن فعلت ما نصحني به زملائي، وفعلاً جهَّزت مجلساً بشكل تراثي جميل، وبعدها فكرت أن أفتح غرفة خاصة اسمها الدهريز، بدأت أجمع فيها مقتنياتي الخاصة، وأشتري وأضع فيها، حتى ازدحم المكان، فبحثت عن أرضٍ بجانبي واشتريتها، كان ذلك سنة 1999. ثمَّ قرَّرت أن أبنيَ متحفاً خاصًّا واستخرجت الرخص من البلدية، وبنيت بناءً على الطريقة الجبلية بالحجارة، سمَّيتها في البداية “متحف بن قيدوه الشحي” على اسم القبيلة، ولما افتتحتها رسميًّا بحضور جمع من الشيوخ والقنصلية العمانية ووزارة الثقافة والإعلام تغيَّر اسمها ليصبح “قرية محمد بن زايد التراثية”، وقد تزامَن هذا مع العيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة الثاني والأربعين.

وأضاف أحمد الشحي أنَّ القرية تحتوي على سبعة أجنحة:
– المتحف الرئيس: يحتوي على المقتنيات النفيسة من ذهب وأسلحة تقليدية وكتب.
– الفخاريات: وفيه كلُّ أنواع الفخار المستخدم في الإمارات.
– غرفة العروس: فيها اللبس النسائي القديم وشيل الفضة، العطور، المناديف والصناديق.
– الدهريز: وفيه سرير عتيق عمره 100 سنة، وفيه صورة امرأة لبسها عربي أصيل.
– النخلة: والنخلة بركة، يأكل من ثمارها وتبنى البيوت من سعفها والأعمدة من جذوعها، وجميع أجزاء النخلة موجودة في هذا الجناح.
– غرفة الرحى: وهي غرفة خاصة بتحضير الطحين.

– مجلس رئيس وهو ذو ديكور روماني قديم.

وفي متحفي أيضاً يوجد مقتنيات تراثية وأخرى أثرية تحصَّلت عليها من قِبَل أحد الإخوان في عُمَان، عندما قامت البلدية بحفريات في أرضه وتحصلت على مجموعة من الآثار، فأعطته بعضاً منها وأخذت الباقي، وهو أهداني ما تحصَّل عليه، وهي 8 قطع من رماح، وخنجر، وقبضة فرس ويرجع تاريخها إلى ما قبل الإسلام.

لديَّ أيضاً تاج روماني من العهد القسطنطيني، تحصَّلت عليه من قِبَل دكتور جزائري، كما لديَّ الكثير من العملات وغيرها من الأشياء الجميلة، التي وصلت تكلفتها إلى 3 ملايين و800 ألف درهم إماراتي، ولم أتلقَّ أيَّ دعمٍ أو مساعدةٍ من أيِّ جهة، فقد كان جهداً شخصيًّا، ولا أزال أعمل على الإضافة إليه، على الرغم من أنه امتلأ. إنني أحبُّ التراث، وأحبُّ الأشياء النادرة، ولله الحمد قد تحصَّلت على أكثر من 50 شهادة من مشاركات محليَّة ودوليَّة، وأستقبل العديد من الضيوف على مدار السنة، ومنها زيارات سنوية لجامعة الإمارات لمتحفي، وهذا شرف لي، كما إنني سعيد بما أنجزت وأدعو الجميع إلى زيارته وتعرُّفِ ما فيه من ثراتٍ، أعتبرُه شخصيًّا جزءاً من الثقافة والمعرفة والعلم.

ومن جانبه قال السيد محمد بن أحمد بن حجر الشحي: إنَّ المتاحف تحمل الكثير من الذكريات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بماضينا القريب أو البعيد، وهي مرآة تعكس لنا الماضي بكلّ ما فيه وتعرّفنا إليه. ومتحفي الخاص موجود في بيتي في إمارة رأس الخيمة، تمَّ افتتاحه رسميًّا من قِبَل صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي حاكم رأس الخيمة، وسُمّيَ المتحفُ يومَئذ على والده المغفور له الشيخ صقر القاسمي.

معظم مقتنيات المتحف من الفخاريات القديمة جدًّا من المحاريث والصحون وغيرها، ويحتوي على 3000 قطعة فخارية تمَّ تجميعها منذ سنوات عدَّة بمبالغ كبيرة جدًّا خَصَّصْتُها لهذه الهواية التي أحببتها كثيراً، واعتبرتها في مرحلة من مراحل الطموح مشروعاً وطنيًّا عليَّ القيام به وإنجاحه، حتى أُعرّف غيري عادات الإمارات وتقاليدها وتاريخها.

يحتوي المتحف على قسمين؛ قسم فوق الأرض، وقسم تحت الأرض، وفيه إلى جانب الفخاريات مقتنيات أخرى مثل الأسلحة والسكاكين بجميع أنواعها، والحلي والقدور النحاسية والفخارية. وقد كلَّفني المتحف حوالي 3 ملايين درهم إمارتي، ولم تعد المساحة المتوافرة لديَّ كافية لوضع المزيد من المقتنيات، وأتمنَّى أن أحظى بفرصة توفير مكان أكبر وأوسع، حتى يتسنَّى لي أن أرتقي أكثر بمتحفي الجميل.

وفي النهاية يقول محمد الشحي: “إنَّ ما قمت به كان مجهوداً شخصيًّا أهدف من خلاله إلى تعريف الكبار قبل الصغار، التراث والتاريخ العريق لوطنهم، وتسعدني زيارة الجميع والاستفادة ممَّا فيه، لأنه أُنْشِئَ لهم وأُنْشِئَ حبًّا ودعماً للوطن”.