متحف البريد في الإمارات.. بين الحاجة والترف

block-3-1 الإمارات مجلة مدارات ونقوش – العدد 14 هالات

 477 عدد المشاهدات

 الكاتب : جمال بن حويرب

 

يعتقدُ كثيرٌ من النّاس أنَّ الاهتمامَ بإقامة المتاحف والصَّرف عليها في فروع الحياة والمجتمع والسياسة
والاقتصاد، ضربٌ من إضاعة جهد الحكومات فيما لا يدر على الدولة نفعاً كبيراً، بل
يرون فيه هدراً عظيماً للأموال التي كان ينبغي أن تُصْرَفَ في البنى التحتية
والتعليم والصحة، فما فائدة تخصيص متحف للعملات والبريد مثلاً، ونحن لدينا متاحف
عامة يمكن أن ننوِّعَ فيها كيفما نشاء؟! بمعنى أنه لا داعي لفتح أبواب جديدة للصرف
في متاحف متخصِّصة تشتِّت الزائرَ وتزيد الأعباء.

ونقول لهم: وهل الصَّرفُ على المتاحف المتخصِّصة التاريخية إلا من باب الصَّرف على البنى
التحتية والتعليم والسياحة وزيادة الاقتصاد، فتثبيتُ تاريخ الدول فرعٌ من ثبات
الدولة نفسها، وإعطائها بعداً تاريخياً عميقاً يزيد ثقة شعبها بها، ويبهر من
يزورها من المسافرين، بل لم يضع تاريخ أيِّ دولةٍ إلا عندما خرج فيها مثل هؤلاء من
أصحاب الرؤى القصيرة التي تفسد أكثر ممّا تصلح.

ولو تتبّعنا متاحف العالم لوجدنا هذه المتاحف المتخصِّصة يقيمها الأغنياء والشركات والحكومات
وهي في ازدياد منذ قرون، إلا عند العرب الذين تنقصهم المتاحف العامة قبل المتاحف
المتخصِّصة، وسأضرب لكم مثالاً بمتحف البريد في لندن، وهو يناسب موضوع هذا العدد «تاريخ
البريد».

متحف البريد في لندن

تعود أصول المتحف إلى أوائل القرن العشرين، إذ بدأ أولاً بدايات ضعيفة وبمجموعات قليلة في الطوابق
السفلية من مقر مكتب البريد العام، ثمَّ قامت الملكة إليزابيث الثانية رسمياً بافتتاح متحف البريد الوطني في مدينة لندن عام 1969. وكان من أهم أهداف بناء المتحف، حفظ مجموعة من الطوابع الفيكتورية البريطانية الحائزة جوائز، كان قد تبرَّع بهذه المجموعة ريجينالد فيليبس عام 1965، فأتاح المتحف للعامة إمكانية الاطلاع على
مقتنياته.

وفي عام 1998، اضطرَّ المتحفُ إلى إغلاق أبوابه بعد بيع مبنى المتحف، فتمَّ نقل المقتنيات
الصغيرة إلى المناطق المحيطة بمبنى فريلينج هاوس، موطن الأرشيف منذ عام 1992 – في
حين تمَّ تخزين المقتنيات الكبيرة بعيداً عن وسط لندن.

في عام 2004 نشأ صندوق التراث البريدي، وتمَّ نقل المجموعات إلى هذا الصندوق الذي تمَّ تكليفه
بالعناية بالمقتنيات وزيادتها. منذ ذلك التاريخ، بدأ العمل جدياً على بناء مقر
جديد يليق بمكانة التراث الذي سيستقرُّ فيه. وافتُتِحَ متحفُ البريد في 28 يوليو
2017، في حين تمَّ افتتاح قطار البريد في 4 سبتمبر 2017.

يضمُّ متحف البريد 60 ألف مقتنى وآلاف السجلات تسرد تفاصيل 400 عام من التاريخ البريدي،
بأسلوب تفاعلي ترفيهي ممتع.

ويتضمَّنُ أيضاً صالات عرض تفاعلية، ويمنح الزوّار فرصة للذهاب في رحلة مع الزمن عبر قطار
البريد الذي يمرُّ في الأنفاق الأصلية ومنصات محطة السكك الحديدية في لندن، التي
يعود تاريخها إلى أكثر من 100 عام. كما يحوي مرافق أبحاث حديثة ومجموعة واسعة من
الأنشطة التعليمية، ما يجعل زيارة المتحف أمراً ممتعاً لكافة الأعمار وعلى اختلاف
الاهتمامات.

هذا وقد تمَّ تصنيف مقتنيات متحف البريد ضمن مجموعات هي: التصاميم والأيقونات، مجموعة الطوابع،
والبر والجو والبحر، والحيوانات، والخدمات البريدية، وزمن الحرب، والأعلام
والأحداث المهمة.

وتضمُّ كلُّ مجموعة أقساماً تتحدَّثُ عن الخدمات البريدية المختلفة، فعلى سبيل المثال يمكن من
خلال مجموعة التصاميم والأيقونات استكشاف تاريخ التصميم في الخدمة البريدية، من
الملصقات والزي الرسمي وصناديق البريد إلى الخرائط والتصميمات الشهيرة مثل طابع «بيني
بلاك» الذي يعدُّ أوَّلَ طابع ملصق في التاريخ، وأوَّلَ بطاقة معايدة تُرْسَلُ
بمناسبة عيد الميلاد وذلك عام 1843م، أي منذ أكثر من 175 عاماً.

أمّا قسم الحيوانات، فيسلِّطُ الضوء على مختلف الحيوانات التي كان لها دورٌ في الخدمات
البريدية، من القطط الموكلة باصطياد القوارض في مبنى البريد، إلى الكلاب التي كانت
ترصد مواضع الخلل في الأسلاك، إلى الأحصنة والحمير التي كانت تحمل البريد.

هذا قليلٌ من كثيرٍ في مقتنيات وأقسام هذا المتحف العريق، وأتمنّى أن يعودَ المثبِّطون إلى
رشدهم، ويعاونوا هواة جمع الطوابع ومحبي تاريخ البريد على إنشاء متاحف بريدية على
أعلى مستوى من التقنية والإبهار.